ما تزال الانتخابات الأمريكية تلقي بآثاراها على المشهد الداخلي وحتى العالمي على الرغم من مضي أكثر من شهر على حدوثها والتي جاءت بجو بايدن على حساب دونالد ترامب. وفقًا للإحصائيات وصل فارق الأصوات الشعبية إلى 7 ملايين صوت لصالح بايدن والذي حقق بدوره 306 صوتًا في المجمع الانتخابي، و81 مليون صوتًا شعبيًّا ليكون الرئيس المُنتخب بأكثر عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الأمريكية منذ بدايتها.

ومؤشرات هذه الأرقام ليست واحدة، وهي بالتأكيد ليست مؤشرًا على شعبية عارمة لجو بايدن بشخصه، بقدر ماهي استفتاء، على الطرف المقابل دونالد ترامب واستفتاء على الهروب بأمريكا من القبضة الترامبية. فهذا النموذج الذي لم يشهده أو يعهده الأمريكيون بتاريخهم الجمهوري، أن يحول النظام السياسي لنظام الرجل الواحد، ونظام العائلة، معتمدًا على العلاقات الشخصية والثنائية في العلاقات الدولية، وإن صح القول الكوميديا السياسية، فأميركا في عهد ترامب لم تعد ضابط إيقاع النغم العالمي، ولو كان نشازًا، بل أصبحت طرف مشاركًا فيه إلى جانب معسكر على حساب آخر. وهذا لا ولن يعني أي تقييم للدور الأميركي بالإيجاب أم بالسلب اتجاه العالم أو مديح أو ذم لمعسكر ما مقابل آخر؛ إذ من الواضح لكل بصير، أن هذا العالم بمعسكراته وبقواه الكبرى والصغرى ليس سوى سعير غير منضب القيم، يشتعل في كل مرة باستمرار باتجاه الأسوأ ودائمًا. إن كان على رأس الإدارة دونالد ترامب أم جو بايدن أم أوباما نفسه، ما الذي سيتغير الآن بعد طي الحقبة الترامبية في التاريخ الأمريكي، وهي حقبة ما بعدها ليس كما قبلها. قد تبدو إدارة بايدن ليست سوى نسخة ديمقراطية مكررة لنائب الرئيس الأسبق، وهو وجه معروف في السياسة الأمريكية ومُجرب الأداء. لكن بايدن حاول من بداية حملته حتى هذه الأوقات على تصدير إدارته القادمة على أنها عتبة نحو التغيير الحقيقي، وليست ذاك التكرار باعتبارها ولاية ثالثة لإدارة أوباما في الشكل وجوهر الإدارات الأمريكية. هذا التغيير بشكل واضح باتت تحتاجه أميركا؛ ليست لأنها تخرج من عصر ترامب؛ بل لأنها استقدمته للرئاسة من الأساس، وهذا لايعكس عطبًا في النهج الترامبي نفسه، بل إن الرجل جزء، ويمثل جزء قد يكون مناصفة مع الجزء الآخر المقابل، فإن وصلت الولايات المتحدة لمرحلة الفجاجة السياسية التي مثلها ترامب، فبالتأكيد، قد باتت بحاجة لهذا التغيير الفعلي في البيت الداخلي، قبل أن يتصدر للعالم كله، بحكم موقعها العالمي كقوة كبرى. يحاول بايدن وفق هذه المعطيات والظروف جعل إدارته مرحلة انتقالية، هل يستطيع؟ أو هل يملك الإرادة أولًا كي يستطيع؟.

هذا التغيير الذي وإن حصل، سيعيد إقلاع السياسة الأمريكية نحو نهج مغاير ويعكس بشكل عملي صورة حداثية وتغييرية؛ فشعار (أول مرة) الذي انتهجه في تعيينات المناصب ومنها مناصب حساسة في الإدارة الجديدة. إلى الآن يعطي صفة كسر القوالب الماضية. بداية من كاميلا هاريس باعتبارها أول امرأة تتولى منصب نائب الرئيس، بل من أصول مهاجرة ومن التوجه اليساري ضمن الحزب الديمقراطي. وفي بلد رأسمالي المنهج، ويشكل المحافظون فيه سوادًا كبيرًا، سيعد إنجازً وصولها لهذه المرحلة إنجازًا، فهل ستستمر؟ خاصة وأن هناك تكهنات وتوقعات، بأن ذلك بداية ترشحها للرئاسة في قادم الانتخابات؛ إذ وجد بايدن فيها الشخصية الأمثل الجامعة مابين يسارية مطلقة على طريقة ساندرز، الذي يبدو أن الأميركيين يرفضون زج هذا الكم من الاشتراكية في النهج الأميركي، بل يخشونه، وبين ناعمة يراها أكثر تقبلًا للأمريكيين الذين يعيشون في ظل نظام رأسمالي واضح وقاسي المعالم. على أن هارتس أفضل رسالة مضادة لعقلية ترامب الإقصائية والمحاربة للمهاجرين، فكانت نقطة جذب مهمة لمجتمعات المهاجرين في الانتخابات الأخيرة. ليس هارتس وحدها، فقد قام بايدن بتعيين امرأة (ولأول مرة) وأول أمريكي لاتيني لمنصب وزير الأمن الداخلي «اليخاندرو مايوركاس» وأول امرأة تتولى وزارة الخزانة «جانيت يلين». وأخيرًا جنرال ذو أصول أفريقية على رأس أكبر جيوش العالم و لأول مرة أيضًا في تاريخ البلاد. إلى الآن ينجح كلقطة مجردة على جعل إدارته سبق رئاسي يعكس كما قال وتقول حملته التنوع الثقافي والإنساني في المجتمع الأميركي. لكن هل هي بداية تغيير حقيقي وتوسعة المشاركة للشرائح المختلفة أم أنها سياسة مضادة لمجرد التضاد مع إدارة ترامب. هذه المنهجية التي طالما اعتمدتها الإدارات الأمريكية في وصولها للبيت الأبيض؛ إذ إنها تقوم على التضاد، وعلى سلبيات الإدارة السابقة، مما يوحي بالتغيير والتقدم بالمقارنة مع الماضي والسابق، ويوحي بالتطوير. لكن تبقى الإشارة إلى أن دونالد ترامب، الرجل الأبيض صاحب النبرة العنصرية العنجهية في الخطاب، صاحب النظرة الضيقة جدًا للمجتمع الأمريكي والعالم، صاحب منطق الأنا والمال أولًا جاء بعد حقبة أوباما، رجل السلام، وصاحب الكاريزما الخطابية ورومانسية الحب مع زوجته، ورجل من أصول أفريقية يكسر زمن العنصرية ضد السود في أميركا، ويصبح رئيسها ولمدتين كاملتين. لم تكن حقبة أوباما تغييرًا كما نظر إليها العالم، بل إنها ولو بجزءٍ منها استقدمت النقيض الأبعد عن كل ما روجت له الأوبامية من مفاهيم وقيم، استقدمت الترامبية.

في بلد لا تحكمه حكومة، بل إدارة، لن يكون سهلًا مطلقًا إقرار مفاهيم مغايرة للفكر المصالحي الحاكم وهيمنة الشركات الكبرى والأسواق. على سبيل المثال، إذ إن هناك مواجهة مع الشركات الرقمية العملاقة كجوجل وفيسبوك وزووم، حول استطاعة هذه الشركات الحصول على بيانات شخصية بشكل مريب جدًا لدرجة دفعت الحكومات في العالم للدخول لمحاولة ضبط توسع هذه الشركات السريع وغير القابل للسيطرة في بعض الأحيان. الكينونة الأمريكية مختلفة عن باقي العالم، فخلاف أنها القوة الأبرز، فهي لاتستند في هويتها على إرث وتاريخ بعيد تبني عليه أو تتحدث فيه ببيتها الداخلي، بل إن المنفعة المصالحية المالية بالدرجة الأولى تشكل العامل الأبرز. هذه الكينونة أصبحت بحاجة للانتقال لمستوى آخر أو مكان آخر على مستوى النظام المهيمن، قد يفسر هذا صعود الفكر اليساري أكثر فأكثر بين الأمريكيين والديمقراطيين على وجه التحديد، سواء ببرني ساندرز أو وارن، أو حتى كاميلا هارتس نفسها. أصبحت الحاجة لإدخال مفاهيم تغير الشكل سيطرة السوق على مجريات الحياة واضحة. وفي هذا السياق، يبدو أن الأمر يحتاج لأبعد من ليبرالية مطعمة ببعض اليسارية الاشتراكية على طريقة بايدن. يحتاج الأمر لخطوة توازي الخطوة المقابلة الممثلة في ترامب وفكره المنفرد جدًا.

بالتالي، إن كثرة الحقن التنوعي الذي يلعب عليها الديمقراطيون بداية من انتخابات الكونجرس قبل عامين ونجاح مرشحتي الحزب الهان عمر ورشيدة طليب ذي الأصول المهاجرة. قد يعكس هذا المزيج واستقدام أسماء من الإرث الأوبامي انطباعًا عن ترسيخ مفاهيم التعايش، وتلك الخطوة الكبيرة. لكن ستعتمد تقييمات هذا التفاؤل على مدى قدرة هذا الفكر على الاستمرارية ومواجهة صعود واضحة لليمينية المتطرفة وراء ترامب، فإن كان الطرف المواجه لترامب استطاع جلب 80 مليون صوت لأنه ليس ترامب فقط، فإنه بالمقابل هناك وبحسب الإحصائيات 70 مليون ناخب صوت له، بعد كل السياسات الجنونية وخطاب التفرقة وحافات الأزمات التي ضربت أمريكا في عهده كالعنصرية تجاه السود؛ كحادثة جورج فلويد، إضافة إلى الأداء الباهت جدًا في أزمة الكورونا والتي بدورها تشكل التحدي الأول لبايدن. حين يكون نصف الناخبين تقريبًا، ومايقارب ربع البلاد، ما تزال تصوت لترامب ، يعطي هذا مؤشرًا على ضرورة وجود توجه مغاير وحقيقي في المستقبل، خاصة وأن ترامب صرح أنه ينوي خوض انتخابات 2024.

على الصعيد العربي، سيبدو غريبًا اصطفاف كثير من الشعوب العربية لجانب ترامب ولو عاطفيًا، علمًا أن حقبة الرجل لم تزد حالهم سوى سوءًا ووبالًا في تشديد يد القمع لدى الأنظمة الاستبدادية التي وجدت في ترامب ضالة الدلال والسعادة. لكن ترامب يمثل بالنسبة لهم الوجه الحقيقي لسوء سياسات هذا العالم، من دون أقنعة تجميلية لم تقدم لهم شيئًا؛ بل أيضًا لم تكن سوى وبالًا على منطقتهم ومستقبلهم، لكن الفرق هو الأسلوب بين صراحة وفجاجة ترامب، وبين نعومة وحمائمية الديمقراطيين، وباراك أوباما خير مثال مقابل ترامب.

وهذا مؤشر آخر، على مدى قدرة الولايات المتحدة على الانتقال إلى مكان تعكس فيه بصورة كبيرة مستوى الدعاية التي قدمتها إدارة بايدن لنفسها؛ باعتبارها إدارة استقرار ومحاسبة ونهج تغييري لمصلحة الشعوب، ولمصلحتهم هم أولًا، وهم الذين يعيشون شرخًا لايختلف عن شرخ شعوبنا العربية، بين مؤيد ومُعارض، وما على التاريخ سوى أن ينتظر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد