عام 1916م

 

عرف نقطة التحول في الحرب، فمع قدوم العام الجديد كانت دول المركز تتفوق بانتصاراتها ورغم الخسائر الفادحة كانت صامدة أمام إصرار دول الوفاق في إنهاء الإمبراطوريات العجوز، ازدادت حدة المعارك خلال عام 1916 حيث شهد معركة “فردان” التي كانت سبعة أشهر من المذابح والجوع، أصاب الجنود الجوع وتفشى مرض الزحار، لم يكن هناك مجال للانسحاب بين الطرفين، من يفكر في الانسحاب يعدم بيد رفاقه، ومعركة السوم التي استمرت أربعة أشهر، وكانت المعركتان على أرض فرنسا وظهرت الدبابة لأول مرة في ميادين القتال، وتم إجبار ألمانيا على التراجع، وقُضِيَ على معظم جيشها المدرب في الخنادق لتعتمد على المجندين من صغار السن الأشد بأسًا وضراوة.

كان على ألمانيا إظهار قوتها بعد تقهقر قواتها في الأراضي الفرنسية، دفعوا بشيء جديد، الغواصات السلاح الأشد فتكًا في الحرب، فخلال هذا العام وقعت حرب من نوع خاص في بحر الشمال بين الأسطولين الإنجليزي والألماني عرفت باسم “جاتلاند”، وما زاد الحرب ضراوة محاولة الألمان إغراق أي سفينة تجارية لتجويع بريطانيا وإجبارها على الاستسلام، وكان من بين السفن التي تم إغراقها عدد من السفن الأمريكية؛ مما جعل تلك الأخيرة تفكر في خوض الحرب.

بذور القومية

بعد معركة “جناق قلعة – جاليبولي” عادت الثقة للقوات العثمانية التي كانت حليفة ألمانيا التي صمدت بدورها بعد دخول العثمانين إلى الحرب إلى جانبهم، ولكن كان لدول الوفاق رأي آخر، فبريطانيا التي هُزمت في حربها المقدسة لإسقاط القسطنطينية – إسطنبول – كان لها رأي آخر وهو استغلال الاضطرابات الاقتصادية والعرقية داخل حدود دولة الخلافة العثمانية التي بدأت تسترد عافيتها بانتصارات حربية لم تعنِ العرب الناقمين على الأتراك بسبب سوء إدارتهم وسوء معاملة “أحمد جمال باشا” قائد العثمانيين بالشام للشخصيات العربية الكبيرة، وعلى رأسهم – الشريف الحسين بن علي- شريف مكة الذي يحلم بإنشاء دولة عربية كبرى، وكانت علاقته بالخلافة العثمانية سيئة جدًّا.

استغلت بريطانيا طموح الخائن كان عليها اجتذاب العرب إلى جانبها، فدخلت في مفاوضات سرية معه بمساعدة ضابط الاستخبارات البريطانية لورنس الشهير بلورنس العرب، وتم تبادل رسائل بينه والسير هنري مكماهون مندوب بريطانيا في مصر والسودان، تعهدت بريطانيا بإعطائه دولة عربية كبرى فدخل الحرب إلى جانبها معلنًا ما عرف بالثورة العربية ضد العثمانيين.

 

بدأت الثورة العربية الكبرى في 10 يونيو 1916 م بإعلان الشريف حسين الجهاد المقدس والثورة على العثمانيين، قطع خط السكة الحديدية الذي أنشأته الدولة العثمانية وسيطر أبناؤه على الحجاز بمساعدة الإنجليز، ثم تقدم ابنه فيصل نحو الشام وبمساعدة الإنجليز دخل إلى دمشق حيث خرج العثمانيون منها وأعلن فيها قيام الحكومة العربية الموالية لوالده الذي كان قد أعلن نفسه ملكًا على العرب غير أن الحلفاء لم يعترفوا به إلا ملكًا على الحجاز وشرق الأردن.

 


قامت بريطانيا وفرنسا وروسيا بعقد اتفاقات سرية تناولت اقتسام الأملاك العثمانية بما فيها البلاد العربية، ثم انفردت بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سرية عرفت باتفاقية سايكس بيكو (1916) نسبة إلى كل من المندوب البريطاني مارك سايكس والمندوب الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، فقد طعنوا دولة المسلمين بخنجر مسموم اسمه – الثورة العربية– زادت من كره العرب للأتراك الذي تنامت إلى عقولهم النزعة القومية أيضًا وبغض الخائنين العرب.

فقدت الدولة العثمانية أراضيها في الشام والعراق والحجاز ومصر تحت الانتداب البريطاني كما فقدت من قبل دول البلقان والقوقاز، وبينما كان هذا حال الحرب في الصحراء كانت الحرب تشتعل في أوروبا بإعلان أمريكا الدخول للحرب إلى جانب دول الوفاق الذين كانوا يحتفلون ببداية سقوط الإمبراطورية العثمانية.

المرحلة الثانية من الحرب

 
في أبريل/ نيسان 1917، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية دخولها الحرب لتصبح الحرب عالمية، وكانت الولايات المتحدة قبل دخولها الحرب تعتنق مذهب مونرو الذي يقوم على حياد أمريكا في سياستها الخارجية عن أوروبا، وعدم السماح لأية دولة أوروبية بالتدخل في الشؤون الأمريكية، غير أن القادة الأمريكيين رأوا أن من مصلحة بلادهم الاستفادة من الحرب عن طريق دخولها، وعلى الجانب الآخر استفاد الحلفاء من الإمكانات والإمدادات الأمريكية الهائلة في تقوية مجهودهم الحربي، أما أمريكا فقد كانت تخوض أولى الحروب خارج أرضها وتسعى لإثبات وجودها والمساهمة في القضاء على الإمبراطوريات وتكوين عالم جديد، وانتشرت بالشوارع ملصقات تحث الناس على الذهاب للحرب.

اشتدت المعارك في الجانب الأوروبي وتراجع دور الروس والعثمانيين، أنهكت قواهم وخارت عزائمهم، فكما ضربت طعنة عربية ظهر العثمانيين، قضي على روسيا القيصيرية بقيام الثورة البلشفية في أكتوبر/ تشرين الأول قتل القيصر وعائلته لينسدل الستار على إحدى الإمبراطوريات القديمة، كان المستفيد الأول هم الألمان فقد تم توقيع البلاشفة اتفاقية صلح برست ليتوفسك في الثالث من مارس/ آذار 1918 التي خرجت بموجبها روسيا من الحرب.

 


لا تزال الكفة لصالح دول الوفاق حتى بعد خروج روسيا البلشفية من الحرب، فقد أرسلت الولايات المتحدة سفنها الحربية لمساعدة الأسطول البريطاني في حماية قوافل الإمداد حيث كانت تعترضها الغواصات الألمانية، كذلك تم إرسال أفواج من قوات مشاة البحرية الأمريكية إلى فرنسا.

هجوم الربيع

قامت ألمانيا بـ”هجوم الربيع 1918″ فعملت على تقسيم القوات البريطانية والفرنسية، وكانت تأمل في إنهاء حربها قبل وصول القوات الأمريكية، لكن الحلفاء قاموا بهجوم مضاد في 8 أغسطس 1918 وسمي بمعركة أميان، وقد شاركت في هذه المعركة أكثر من أربعمائة دبابة و120 ألفًا من قوات الدومينيون والقوات الفرنسية والقوات البريطانية، ووقعت عدة معارك من أهمها معركة ألبرت في 21 أغسطس ومعركة أراس الثانية التي كانت معركة الدفاع عن خط دروكورت كيويانت.

وفي سبتمبر أطلقت قوات الوفاق هجومًا نهائيًّا على خط هيندينبيرغ في معركة غابة أرجون، وفي الأسبوع تغلغلت القوات الأمريكية ومن خلفها القوات الفرنسية إلى مقاطعة شامبانيا الفرنسية وبدأت معركة بلانك مونت ريدج وأجبر الألمان على التراجع نحو حدود بلجيكا، واستطاع الفيلق الكندي والجيش البريطاني الأول والثاني من اختراق خط هيندنبيرغ ووقعت معركة كامبري الثانية.

وكانت هذه المرحلة الأولى لهجوم المائة يوم، فأجبروا الجيش الألماني على التراجع مما جعل ألمانيا تطلب الهدنة من الحلفاء.

 

بلغاريا أول من وقعت على الهدنة في 29 سبتمبر/ 1918 في سالونيك بعد انهيار قوات دول المركز، توالت الانهيارات وتوقيع اتفاقيات الاستسلام، أما ألمانيا فقد كانت مجبرة على توقيع هدنة كومبين مع الحلفاء، وكنوع من الإذلال تم التوقيع داخل إحدى مركبات السكك الحديدية في 11 نوفمبر 1918 الساعة الخامسة مساء، ويدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر.

استعرضنا في هذا المقال أحداث الحرب في عجالة، انتظروا المقال القادم عن نتائج الحرب ونهاية الإمبراطوريات القديمة وتقسيم ممتلكاتها، وإن كنا تناولنا بذور القومية فالمقال القادم هو “نبتة القومية الخبيثة” ودور سايكس بيكو في رسم خرائط جديدة، سنستعرض أيضًا الخسائر المادية والبشرية التي سببتها الحرب العالمية الأولى.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد