أيام وستطوى سنة كاملة من عُــمر الحرب باليمن، دون أن تحسم الحرب عسكريًّا لصالح طرف من طرفي النزاع (حركة أنصار الله الحوثية، وقوات الرئيس اليمني السابق علي صالح من جهة،  والرئاسة والحكومة اليمنيتـان المعترف بهما كسلطة شرعية من قبل المجتمع الدولي، وبين دول التحالف العسكري العربي التي تقودها المملكة العربية السعودية من جهة ثانية) وإن كان ثمة ضوء خافت يبدو في نهاية النفق المظلم، تجلى نوره قبل أيام باتفاق مباشر وغير معلن بين حركة الحوثيين والمملكة العربية السعودية التي تتزعم التحالف العربي، ناهيك عن إرسال المملكة بمواد إغاثة لأول مرة إلى محافظة صعدة معقل الحركة الحوثية، والشروع بنزع الألغام وتبادل الأسرى  فضلًا عن الخطاب التصالحي الذي بدأ يظهره الطرفان الحوثي والسعودي في الآونة الأخيرة.

 مكاسب الأطراف من هذه الحرب حتى الآن

أولًا.. التحالف العربي والشرعية اليمنية

لكي نستطيع أن نحدد مكاسب وخسائر التحالف العربي أو بالأصح  خسائر ومكاسب المملكة السعودية والشرعية اليمنية، فلا بد أن نعود لنتذكر الأهداف التي أعلنها هذا الطرف من إطلاقه للحرب أو ما بات يُـعرف بعاصفة الحزم فجر 26 مارس 2015م على لسان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير من واشنطن. مع قناعتنا أن الأهداف المعلنة من هذه الحرب ليست سوى جزء من أهداف متعددة كثيرة.

ومع ذلك سنركز على الأهداف المعلنة، و نرى ما تحقق منها وما لم يتحقق، فالأهداف الرئيسية المعلنة من هذه الحرب من الطرف الأول السعودية وشرعة الرئيس عبد ربه منصور هادي هي: إعادة الشرعية اليمنية بقيادة هادي إلى سدة الحكم في صنعاء وطرد جماعة الحوثي وصالح من المدن الرئيسة ونزع أسلحتهم الثقيلة.

فحتى اليوم لم تعد السلطة الشرعية إلى صنعاء، بل لم تتمكن حتى من البقاء في أقصى جنوب البلاد (عدن) بعد أن عادت إليها قبل قرابة سبعة أشهر ثم خرجت منها ثم عادت إليها خلسة ثم قللت من عددها لدواعٍ أمنية.

وإذا ما استثنينا محافظات الجنوب التي طرد من معظمها مقاتلو الحوثي وصالح لأسباب وعوامل يطول شرحها، فلم يتم إخراجهم من معظم المدن الرئيسية بالشمال، غير جزء من مدينة تعز رابع كبرى المدن بالبلاد التي تمكنت القوات الموالية لشرعية هادي من السيطرة عليها قبل أيام بعدم جو كثيف وبمشاركة فاعلة لجماعات سلفية وجهادية أخرى.

وبالتالي يتضح لنا أن معظم الأهداف الرئيسية المعلنة لم تتحقق  بعد.

فما تحقق للسعودية وقوات شرعية هادي – وجُلّ هذه الشرعية موالية لحزب الإصلاح ذي الميول الإخوانية – هو تقويض القدرات العسكرية لحركة الحوثي وصالح وتدمير جزء منها مع تدمير البنية التحتية والمخازن الإستراتيجية للأسلحة وشل فاعليتها إلى حد لا بأس به، ولو أنه لا يزال لديهم قوة بسلاح المدفعية والمدفعية الصاروخية الكاتوشا والصاروخ الباليستية التي تطال نقاط تمركز للجيش الموالي لهادي وتطال بشكل مؤثر مناطق داخل العمق السعودي، هذا بالإضافة إلى استطاعتهم حشد قدر كبير من القبائل المتمرسة بالحروب.

وثمة مكسب ظفرت به المملكة وشرعية هادي هو إخراج خصومهما من الجنوب والسيطرة على منابع النفط والموانئ الرئيسية على بحر العرب واستخدامه – أي الجنوب – منطلقًا عسكريًّا للقوات السودانية والإماراتية والجماعات الدينية المتشددة التي تقاتل بنزعة طائفية جنبًا إلى جنب مع هذه القوات باتجاه الشمال وتعز تحديدًا، وقد كان لهذه الجماعات الدور الكبير بالسيطرة على مناطق داخل تعز العاصمة.

    ثانيًا: حركة أنصار الله الحوثي وقوات الرئيس صالح

لا شك أنهما قد حققتا مكاسب بهذه الحرب. فقد لا تكون المقولة التي تقول: (إن لم يهزم الضعيف فهو المنتصر)، متطابقة لوضع الحوثيين وصالح بهذه الحرب، لكن فيها بعض الصحة. فهؤلاء استطاعوا أن يصمدوا – على الأقل حتى اليوم – بوجه تحالف كبير وبوجه أسلحة غاية بالتقنية والحداثة والتدمير.

واستطاعوا أن يحرجوا التحالف العربي إلى حد كبير، ويقدموا أنفسهم بأنهم القوتان الأكثر وطنية وحرصًا على سيادة البلاد وحُرمة أراضيها مقارنة مع مواقف خصومهم، وهذا بالتالي يقوي من شوكتهم عند قطاع عريض من الشعب – بشمال اليمن أقصد – مستفيدين من هجمات الطيران الخاطئة التي تطال كثيرًا من الأهداف المدنية ومقرات المنظمات الدولية الإنسانية والطبية، وتوظيف تلك الأخطاء بشكل ذكي  لمصلحتهم وهم يصورون أعداءهم ومنافسيهم على أنهم معتدون قتلة وأن المستهدف من هذه الحرب اليمن كله أرضًا وإنسانًا وليس هم فقط.

بالإضافة إلى استفادة هذه الحركة من الخبرة القتالية بظروف تختلف عن الظروف التي اكتسبوها بحروبهم الست في محافظات شمال الشمال منذ عام 2004م وهذا المكسب له مردود عظيم بالنسبة لهم على المدى البعيد.

أضف إلى ذلك أن الحوثيين وصالحًا يقدمون أنفسهم  باستمرار أمام المجتمع الدولي بأنهم شركاء موثوق بهم بمحاربة الإرهاب حاليًا ومستقبلًا، مما قد يحجز لهم موقعًا باعتبارهم لاعبين مهمين بالساحة اليمنية وحتى الإقليمية بمضمار الحرب العالمية على الإرهاب. وبالفعل فقد أكدت تقارير وإحاطات المبعوث الدولي لليمن إسماعيل ولد الشيخ، لمجلس الأمن الدولي أكثر من مرة بأن المناطق التي خرجت من تحت سيطرة الحوثي وصالح هي أكثر المناطق حرية وانتشارًا لهذه الجماعات الإرهابية. هذا فضلًا عن تبدل مواقف كثير من الدول التي اقتنعت بحقيقة أن الحوثي وصالح هما حلفاء يمكن الركون عليهما بموضوع محاربة الإرهاب وخصوصًا جماعة الحوثي (أنصار الله) لما لها من خلاف مذهبي عميق مع تلك الجماعات ذات الميول السلفي والوهابي المتشدد، وقد رأينا مؤخرًا بعض هذه الدول وهي تعبر عن تخوفها من تفشي ظاهرة الإرهاب باليمن على غرار ما يجري في ليبيا، ومن هذه الدول روسيا ومصر، بل وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تشارك بهذه الحرب إلى جانب دول التحالف ولو بشكل دعم لوجستي واستخباراتي، فتِحت ضغط الهاجس الأمني أضحت أمريكا تتطلع إلى انتهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن.

  ثانيًا: الخسائر

 المملكة العربية السعودية ومعها شرعية هادي

فلو تخطينا الخوض بالخسائر المالية الطائلة التي خسرتها ولا تزال الخزانة السعودية بهذه الحرب، في ظل تدهور حاد لسعر النفط الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السعودي، فإن المملكة قد خسرت على المستوى الإنساني والأخلاقي الشيء الكثير وأصبحت سمعتها على المحك سواء داخل اليمن وعلى المستوى الدولي بسبب الهجمات الضارية والمدمرة التي اتبعها سلاح طيرانها في تعامله مع الأهداف باليمن، وتسبب بمقتل الآلاف بحسب تقارير دولية وأممية، فضلًا عن الحصار الخانق الذي تمارسه قواتها على المنافذ الجوية والبرية والبحرية، مما جعل الوضع الإنساني بوضع مخيف وموحش وفقًا لتقارير دولية متطابقة.

هذا إضافة إلى اتساع قُـطر دائرة السخط والنقمة على المملكة داخل اليمن، وتوسع العداء للمذهب الوهابي بالمناطق الزيدية الشيعية بشمال البلاد، بما يلقي بظلاله الكئيبة على المنطقة عمومًا وحتى بالداخل السعودي لدى طائفة الشيعة وعلى الوضع الأمني على الحدود بين البلدين، وتعمق القناعة لدى كثير من دول العالم ومنها اليمن – بالطبع – بأن المملكة في هذه الحرب تدعم الحركات المتطرفة وتوسع من تمددها الجغرافي والفكري المتشدد بسبب اتخاذها منها شريكًا فاعلًا بهذه الحرب، وغض الطرف عن انتشارها وبالذات في الجنوب وحضرموت وعدن تحديدًا.

الجنوب… وفي الجنوب الذي اتخذ منه التحالف العربي وشرعية الرئيس هادي بهذه الحرب ورقة ضغط وجسر عبور شمالًا مستفيدين من الثورة (الحراك الجنوبي) المشتعلة فيه ضد الشمال منذ سنوات وسيلة لإضعاف الحوثيين وصالح الذين قادهم قرارهما الأحمق إلى دخول الجنوب عشية عاصفة الحزم. وقد كان للتحالف وهادي بالجنوب ما أرادوا من الجنوب. فقد هُزم الحوثيون وصالح هزيمة عسكرية ثقيلة بحكم التجانس الجنوبي وغياب الحاضن الشعبي للجندي الشمالي بالجنوب، ووجد التحالف وهادي من هذا النصر مخرجًا من الحرج الذي أصاب تعثرهم العسكري بالشمال ونصرًا سياسيًّا كانوا بأمس الحاجة له بعد أن اتضح لهم صلابة وصمود قوات صالح والحوثيين بالشمال برغم كثافة الهجمات الجوية والبرية والبحرية، واتخذوا من عاصمة الجنوب  عدن مركزًا ولو شكليًّا من تواجد السلطة الشرعية.

    الجنوب: ماذا استفاد وماذا خسر من هذه الحرب؟

انتهز الجنوب إعلان السعودية عن عاصفة الحزم ليلتحقوا بها كحليف ضد خصم مشترك لطالما اعتبروه قوة احتلال منذ حرب عام 1994م التي أخرجته من الشراكة الوحدوية إلى قارعة النسيان وجادة التعسف.

وبالفعل فقد كان للجنوب ما أراد بإخراج قوات صالح والحوثيين من أراضي الجنوب بنسبة 80% منها حتى الآن، وأصبح الحراك الجنوبي وبالذات في الجزء الغربي من الجنوب هو المسيطر إلى حدٍ ما على الأرض. ولكن يظل هذا النصر العسكري والسيطرة على الأرض انتصارًا مؤقتًا وآنيًا إن لم يترجم ذلك إلى مشروع سياسي يتمخض إلى حصول الجنوب على طموحه التحرري، الذي يبدو أنه يتصادم تمامًا مع الشرعية اليمنية التي يهيمن عليها حزب الإصلاح الشمالي الذي يتوعد بقمع أي نزعة انفصالية بعد أن يعود منتصرًا إلى صنعاء.

وحتى المملكة السعودية لا تؤيد مطلب الجنوب باستعادة دولته، وهي مستعدة وفقًا لحسابات المصالح أن تساعد بقمع هذا التوجه الانفصالي الجنوبي إن كان ذلك فيه مصلحة لهواجسها الأمنية والاقتصادية، حين أن المملكة ترى في الجنوب متنفسًا للكثافة السكانية لشمال اليمن الذي قد يكون عبئًا ثقيلًا عليها في حال استأثر الجنوب ذو التعداد السكاني القليل – خمسة ملايين نسمة تقريبًا – بأرضه الشاسعة والخصبة وثرواته الكبيرة، وبالتي فهذا النصر الذي ظفر به الجنوب بمساندة سعودية اضطرارية عرضه للتبخر تحت ضغط ما يتنازعه من خصوم وأطراف إقليمية ويمنية متعددة، لم تر في الجنوب في هذه الحرب أكثر من حصان طروادة تم النفوذ من خلاله إلى العمق الحوثي الصالحي، وقد انتهى دوره – أي الجنوب – أو يوشك بعد أن قضى منه التحالف والسعودية ومن خلفهم شرعية هادي وحزب الإصلاح وطرهم.

ولكن من الصعوبة بمكان على المملكة وشرعية هادي وحزب الإصلاح ابتلاع الجنوب بسهولة بعد أن استوى عوده وقوي عظمه طيلة سنوات من العناء والتمرس بالنضال، وخصوصًا بعد أن قدم تضحيات كبيرة مؤخرًا سيجد من المستحيل التفريط فيها، ناهيك عن الالتفاف الشعبي الكبير الذي حظي به خلال السنة الأخيرة بالذات. لكن هذا الصمود الذي يتوقع أن يبديه الجنوب يعتمد على تماسك جبهته الداخلية وتناغم قياداته وتفاهم تياراته السياسية والاجتماعية على اختلافاتها وتنوعاتها في ظل تركة ماضٍ تنوء بالكثير من الأعباء والتجارب المريرة، ناهيك عن تكاثر وتنوع الخصوم التي تحدق عليه من الجهات الأربع.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد