منذ إعلان إجرائها قبل ثلاث سنوات، والانتقادات تلاحق فكرة إجراء أول عملية زرع رأس إنسان. أحيَت الفكرة قصة فرانكشتاين للكاتبة الإنجليزية ماري شيلي بمخيلة الناس والمجتمع الطبي على حد سواء، حيث في القصة يقوم دكتور واعد عبر عملياته ببعث الحياة في جثة. تم إلصاق هذا اللقب بالجراح الإيطالي صاحب الفكرة والمشروع الدكتور سيرجيو كانافيرو.

أعلن كانافيرو بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بأن العملية نجحت مبدئيًا على جثة. ومثلت ردًا على انتقادات استحالة إعادة توصيل النخاع الشوكي بالدماغ. وهي عبارة عن خطوة أولية من خطوات أخرى مرتبطة بالعملية، حيث سيتم بالخطوة الثانية نقل الإجراء على موتى الدماغ، ثم بعدها يمكن للفريق الطبي الدخول في العملية الحية.

ومما جاء بالندوة على لسان كانافيرو: الجميع قال إن الأمر مستحيل، لكن العملية نجحت (…) أول عملية نقل رأس بشري لجثة، تمت بنجاح.

مضيفًا بصيغة فلسفية: لزمن طويل سيطرت علينا الطبيعة بقوانينها. نولد، ننمو، نشيخ ونموت. تطور البشر عبر ملايين السنين ومات البلايين منهم. إنها إبادة على أوسع نطاق. لقد دخلنا العصر الذي سنمسك فيه بأقدرانا بين أيدينا (…) هذا الإجراء سيغير كل شيء، سيغيرك أنت أيضًا وبكل المستويات. أول عملية نقل رأس في النموذج البشري، خرجت للواقع. وسيتم نشر النتائج قريبا.

غير أن الخطوة الأولى جلبت بنجاحها المزيد من الانتقادات، خاصة من المعارضين بالأوساط الطبية، فبعد أن انحصر الأمر سابقا في التنبؤ بفشلها واستحالة إجرائها، تحولت الانتقادات لاتهامات بكون الخطوة عبارة عن تسويق لكتاب أعلن كانافيرو عن صدوره بعد الضجة التي أثارتها الفكرة والشهرة التي حصدها الطبيب عالميا بسببها. وبكون القضية مجرد أسطورة طبية روجتها وصدقتها وسائل الإعلام بسذاجتها المعهودة حول هذه الموضوعات، وبأن القصة لا تعدو كونها أفكارًا مزيفة علميًا.

غير أن اتهامات أخرى كانت أكثر جدية، حيث ألمح أطباء إلى أن العملية ممكنة، لكن يستحيل إجراؤها نظرًا لنتائجها، منها أن يستيقظ المريض في حالة أسوأ من الموت! حيث هو حي في جسد ميت، لا يمكنه السيطرة عليه! أو أن يفقد نفسه، بحكم أن الشخصية ستتعرض لصدمة، وحالة وجودية لم يسبق لإنسان معايشتها، دون ذكر من أشاروا إلى أن المريض سيقع في غيبوبة، ولن يفيق.

اكتسبت الانتقادات والاتهامات بعض الحضور والقوة، خصوصًا بعدما أعلن كانافيرو أن العملية ستجرى قبل نهاية سنة 2017، لكن بعد الندوة الصحافية المعقودة بفيينا شهر نوفمبر، عاد كانافيرو ليصرح بأن تاريخ الحدث الوشيك مرهون بالبروفيسور شياو بينغ، وهو جراح صيني وشريك كانافيرو في قيادة العملية، وسبق له تجربتها على القردة والفئران.

هذه السنة التي أعلنت الصحف أنها ستكون سنة العملية، ومع تصاعد صخب الاتهامات والتكذيب، نشر كانافيرو بصفحته تصريحًا سابقًا لزميله الصيني جاء فيه: لقد اقتربنا من هدفنا بزرع رأس إنسان. لا نستطيع القول بأنها ستتم غدًا، لكنني لا أستثني السنة القادمة. إشارة إلى أن العملية ربما تخضع لمسألة وقت وماتزال مستمرة.

 لمحة عن أبرز الصعوبات التقنية التي وجهها المنتقدون للعملية:

– رد الفعل المناعي، أي أن مناعة الجسم ستهاجم الرأس باعتباره عضوًا غريبًا، وقد طرأ هذا الأمر لفلاديمير ديموكوف بخمسينات القرن الماضي (تجارب الاتحاد السوفياي) عندما أجرى عملية شبيهة لكلب. كانافيرو يجيب عن هذه النقطة بأن الحل سهل، والذي سيتم عبر حقن الجسم بمثبطات المناعة.

– عدم توفر ضمانة لتجاوب الرأس مع الجسم، وسبق للجراح الأمريكي روبرت ج. وايت أن واجه هذه المشكلة في السبعينيات، لدى إجراء نفس العملية لقرد. نجحت العملية لكن الرأس لم يتجاوب مع الجسم، ولم يستطع القرد أن يتنفس لوحده وبشكل طبيعي مع عجزه عن الحركة، وظل على هذه الحالة لأسبوع إلى أن لفظ أنفاسه. كانافيرو أثار مسألة غياب البولي إتيلين غليكول Polyethylene Glycol (غراء بيوليوجي) بتلك الفترة، وهو شيء بالغ الأهمية، فعند عملية النقل سيتم دهن مناطق الربط بهذه المادة (لأنها مساعدة في عملية الالتئام بشكل دقيق وسريع)، ثم ستتم بعدها عملية حقن الجسم بنفس المادة لساعات متواصلة. وبدخول الجسم في غيبوبة ستبدأ عملية تحفيز النخاع الشوكي عبر الصعقات الكربائية.

تم ذكر أن العملية ستتم في ظرف قياسي يصل لـ36 ساعة (بتقنيات متطورة عالية الدقة)، لكن مع الإجراء الأولي تم تقليص هذه المدة لـ18 ساعة فقط. مع إبقاء الشخص الخاضع للعملية في غيبوبة لمدة شهر (حتى تتم عملية الشفاء والالتئام التام)، فيتم بعدها إيقاظه لتبدأ المعاينة والترويض الأمر الذي سيأخذ إجمالًا مدة سنة.. بعدها يستطيع المعني أن يعود لحياته الطبيعية مع نقص في بعض القدرات، مثل الركض.

● العملية بين الحقيقة والخيال

استحالة العملية لا تتعلق بالجانب العلمي، بل بالجانب الأخلاقي: هي غير ممكنة بحسب المعتقدات، وليس من وجهة نظر العلم؛ ولطالما كانت المعتقدات خاطئة، فالعلم هو من أثبت أن الأرض ليست مسطحة، وليست مركز الكون؛ والعلم من أبرز أن الإنسان خضع لظروف تكيّفية مع الطبيعة مثله مثل باقي الكائنات… فالعديد من المعطيات العلمية كانت أمورًا مستحيلة من زاوية نظر أخلاقية. وكما أنه من غير الممكن إجراء عملية زرع رأس إنسان حاليًا بحسب البعض، فقبل الستينات كانت هذه نفس الرؤية بالنسبة لعملية زرع قلب. أما حول خطورتها وفشلها فأي عملية بقسم المستعجلات تتضمن الخطورة والفشل ومسألة الحياة والموت، وكأن الفشل الطبي ترك فجأة كل العمليات وانفرد بهذه ! رغم ذلك يؤكد كانافيرو احتمال نجاحها ب+ 90%.

يشير كانافيرو إلى أن المشكل لا يتعلق بقطع الرأس أو تركيبه كما يذهب الناس في رؤيتهم لهذا الفعل كجريمة وحشية أو تصرف غير أخلاقي (وكأن شق بطن وإجراء استئصال فعل لطيف!) إنما يتعلق المشكل بالحبل الشوكي: أهم شيء بالعملية هو تفعيل الحبل الشوكي؛ لأنه قناة التواصل بين الدماغ والجسد، فلو كُنتَ قادرًا على حل هذه المسألة – التي لا يدركها المنتقدون بحكم تركيزهم على الذبح – فعملية قطع رأس تظل إجراءً عاديًا مقارنة بتفعيل الحبل.

• تجدر الإشارة إلى أن هناك مشروعًا آخر في نفس السياق، ويتعلق الأمر بمشروع (ري أنيما) لإعادة إحياء أدمغة الموتى! وذلك عبر حقن الدماغ بخلايا جذعية وتحفيز الأعصاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد