يهتم أغلب الشباب من الطلبة عموما أو حتى خريجي الجامعات، بتحصيل مجموعات مختلفة من المهارات أو العلوم لحشدها في سيرة ذاتية، تُظهر أهليتهم للالتحاق بعمل نظامي من أي نوع، فلا يتسق، مع تعليمك الجامعي أن تغازل ضخامة المؤسسة، بمهارة واحدة؛ ولو احترفتها؛ حيث يحظى هنا صاحب السيرة الذاتية الأضخم؛ بالتبعية وبما يتسق مع نظرة المؤسسة لذاتها؛ بالمكانة المرجوة، هنا يبرز السؤال: هل فكرت في تغيير نظرتك إلى مهاراتك؟ والتعامل مع كل منها على حدة كسبيل لك، و لو في واحدة منها فقط، إلى العمل بحرفة ما؟

 

ولا تسئ الظن بأن المقصود هنا بـ “الحرفة” اليدوي منها فقط، فالعالم الآن باعتماده على الحاسب بشكل أساسي و من بين كل هذا الزخم في برامج الأخير، صار المعنى الأقرب لتلك الكلمة هو المعنى الإلكتروني. قد يساعدك قليل من البحث عن مفهوم كلمة Freelancer في الإلمام أكثر بتلك الفكرة. ربما لن نخوض هنا في عقد مقارنات مباشرة بين نمطي الأعمال؛ النظامي منها و الغير نظامي؛ أكثر من أننا سنوضح لك خمسة أسباب رئيسية، ستدفعك حتما للعمل بأية حرفة.

 

حقق اكتفاء ماديا مبكرا

يرتبط نمط العمل التقليدي بما بعد الحصول على الشهادة الجامعية والتي ينتهي منها الفرد في سن ما حول الخامسة والعشرين تقريبا، ما يدفعه ومن منطلق لا شيء أكثر من الاعتقاد في أنّ ما فاته من العُمر؛ و ليس فقط تحصيل الدرجة العلمية؛ يستلزم عملا يكافئ طموحات أو أعباء        الدرجة العمرية التي يقف عندها.

 

العمل مبكرا بأية حرفة؛ بأي مفهوم مما ذكرناهم؛ بدون عَقْد الدرجة العلمية (أو الشهادة) بالعمل، يعزز من فرصة تحقيق الاكتفاء المادي مبكرا ما قد ينعكس مثلا على تبكير سن زواجك، تحصيل رأس مال مشروعك الخاص و أنت في العشرين بدلا من الأربعين مثلا، أو حتى امتلاكك القدرة المادية للالتحاق بالجامعة الأجنبية التي كنت تود الالتحاق بها و أنت في التاسعة عشرة مثلا، أعرف طفلا ذي اثني عشرة عاما، و بجانب دراسته النظامية، يحترف أحد برامج الحاسب براتب قد يناهز راتب خريج جامعي، وعلى ذكر الأمثلة، فصاحب الحرفة اليدوية، الذي يقضي في تعليمه المهني أقل مما يقضيه صاحب المؤهل الجامعي، قد تبلغ عوائده الشهرية من حرفته أضعاف ما قد يحققه قرينه الجامعي الذي في نفس سنّه، من العمل النظامي الذي سيبدأ في البحث عنه عقب التخرج من الجامعة…لماذا؟..لأن الأول فقط تحرك مبكرا لاحتراف عمل ما.

 

ألاّ ترهن نفسك

هل فكرت يوما في أزمة مالية أفلَسَت إثرها المؤسسة التي تعمل بها، أو أغلقت الأخيرة بابها في وجهك لنفس السبب..هل فكرت فيما ستعمل به إلى حين أن تحظى بفرصة إلى عمل نظامي آخر؟ شخصيا أعرف أمثلة عديدة لأحوال كهذه، منهم من طالت به السنوات بحثا عن عمل نظامي آخر، بدلا من الوقوف على مهاراته الشخصية يستخلص من بينها ما يصلح أن يكون سبيلا إلى حرفة تَقْويه. عملك بحرفة ما، لن يرهنك لأية ظروف، لأنه هناك حتما كثيرين في العالم ممن سيدفعون لك مقابل تلك الحرفة.

 

اكتسب ثقة الآخرين وثقتك بنفسك

إتقانك لحرفة واضحة، يعزز من ثقتك بنفسك و من ثقة الآخرين في قدرتك على الإتيان بها، لا سيما وإن كانوا من أهل العمل النظامي حيث احتراف عملا ما هي فكرة لها هيبتها لأنها خارج السياق التعليمي والوظيفي التقليدي المعتاد لهم. عموما، أي عمل، خارج عن سياق تقليدي، له ثقله مقارنة بوزنه من داخل نفس السياق.

 

لتقتل بطالة أول العمر و آخره

للأوروبيين تعبير شهير “keep yourself busy”  كوسيلة لقتل الملل فضلا عن المساهمة في شغل الفراغ. فكما أن انشغالك بإتقان حرفة ما، يقضي على بطالتك المبكرة، فربما نظرة إلى مستقبلك، من العمل النظامي، ستساعدك في فهم ما أقصده بالبطالة المتأخرة..قريبك الذي أحيل إلى المعاش المبكر، أو هذا الذي تعدى الستين، لا يجد ما ينشغل به إلا الذهاب للتسكع على المقاهي، أو حتى قضاء جلّ وقته بالجوامع حيث أحاديث الستينات المنتظِرة لقيام الساعة بدلا من العمل بغرس الفسائل الأخيرة. هنا تأتي الحرفة؛ التي قمت على العمل بها طيلة حياتك؛ كواحدة من طرق متعددة لقتل بطالتك المتأخرة.

 

قبل أن يدهسك التطور

التطور التقني قد بدأ ينال من وظائف نظامية كثيرة يقوم بها الإنسان خاصة فيما يقوم منها على مجرد المتابعة والتحليل و الإدارة، حيث يجري،  بمرور الوقت، الاستبدال ببعض من تلك الوظائف تقنيات و برامج ذكاء تحلّ محل الإنسان. و هنا قد ندّعي أن العمل القائم على الخَلْق، ما يمكن أن ينتمي بشكل ما إلى صفات “الحرفة”، هو ما سيكون له وزن وثقل، يستعصي على أن يدهسه التطور أو حتى مستجدات العصر القادم.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد