«لم تكتُب حركةُ الجيش المصري في يوليو 1952 شهادة وفاة للملكية وفقط، بل لازمَ موت الملكية موت هو أخطر ما قد تصابُ به دولة من الدول، ألا وهو موت السياسة»

حركة يوليو وموت السياسة

فبعد تأسيس نظام يوليو 1952 أدى حصار النظام للمجال العام السياسي إلى ما يمكن تسميته بموت السياسة – نسبيًا – وبروز ظاهرة اللا تسييس وشيوع حكومات الإدارة التي تأتي غالبًا من خلفيات تكنوقراطية لا علاقة لها بالعمل السياسي ودهاليزه، واشتدَّت سطوة الأجهزة القمعية والتي حملت على عاتقها مسئولية خنق المعارضات السياسية سواء الشكلية والهامشية المعترف بها، أو تلك المحجوبة والمحظورة رسميًا كالإخوان المسلمين.

أدى هذا التوجه إلى تجريف وموت السياسة نسبيًا، وهو ما عانت منه الأجيال الشابة أشد ما تكون المعاناة، فقد حُرمَت هذه الأجيال من العمل السياسي السلمي، مع تزايد واضح لقسوة الأجهزة الأمنية وتزايد في معدل الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان عمومًا وللكرامة الإنسانية خصوصًا وتحقيرها المستمر والمنظم – من قِبَل السلطة وأجهزتها – وكذلك أُهملَت الحقوق الإجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذه الأجيال، وفقدت الأحزاب السياسية دورها الأساسي في التنشئة السياسية وإعداد الكوادر للعمل في المجال العام، ففقدت الأجيال الشابة بذلك مصدرا رئيسيًا لتعلُم السياسة وممارستها.

 ثورة يناير وعودة السياسة

وكما جرت العادة وكما عودنا التاريخ، أنه ثمة حدود للقمع المنظم والتعذيب الممنهج، وأنه في محطة ما على طريق القمع ينهار النظام وتنتزع الشعوب ما اسُتلبَ منها من حرية وكرامة إنسانية  وبالفعل قامت ثورة يناير، ومعها عادت الروح لجسد السياسة، ودبت فيه الحياة من جديد.

فانطلق الشباب هنا وهناك، ينظم بعضهم المظاهرات، وينضوي آخرون تحت رايات أحزابٍ وكيانات سياسية متنوعة، وفُتحَ المجال العام على مصراعيه، وبات متاحًا للجميع الحديث في السياسة وشئونها بداية من انتخابات المجالس المحلية إلى اختيار رئيس الجمهورية وانتقاده المعلن والصريح.

استمر الانفتاح السياسي وزادت معدلات المشاركة السياسية بشكل لم يسبق له مثيل، وضجت المقاهي وقاعات المحاضرت وساعات الدوام الرسمية لموظفي الحكومة والشوارع والجوامع والكنائس والملاعب ووسائل المواصلات ووسائل الإعلام بالحديث في السياسة وتفاصيلها حتى رأينا قنوات الرياضة تتحول للحديث في السياسة تحلل أخبارها وتستقصي جديدها.

الثالث من يوليو وموت السياسة من جديد

ومع حركة الجيش في الثالث من يوليو والتي أعقبت مظاهرات الثلاثين من يونيو، كتبَ الجيش مرة أخرى شهادة وفاة للسياسة كما كتبها من قبل في يوليو 1952.

وظهرت نفس دلالات موت السياسة التي ذكرناها في بداية المقال، فتمددت ظاهرة اللا تسييس ولمتنع الكثيرون عن الخوض في السياسة إما خوفًا من قمع السلطة وأجهزتها الأمنية، أو إحباطًا من النتائج التي وصل إليها الحراك بعد يناير، وعادات الأحزاب الكرتونية لتُطِل علينا بوجهها القبيح من جديد، وعادت معها الانتخابات الهزلية والشكلية.

وبهذا عادت السياسة لأهلها كما يقول المصريون في ثقافتهم الشعبية.

جدل المشاركة في العمل العام في ظل موت السياسة

ومع الفشل الكبير الذي مُنيَ به الحراك الرافض لتحرك الجيش في الثالث من يوليو، ظهرت على الساحة جدلية المشاركة في المجال العام من عدمها، فظهر لدينا تيار يدعو إلى الاستمرار في الحراك الثوري باختلاف أشكاله سواء بالتظاهر أو الاعتصام أو الإضراب وغيره، وعلى الجانب الآخر تيار يدعو إلى وقف كل أشكال الحراك والتسليم للأمر الواقع وأنه لا فائدة من المقاومة نظرًا للتباين الصارخ في توازنات القوي بين المنضوين في الحراك وبين النظام الحاكم.

 التيار الثالث كحل للخروج من أزمة موت السياسة

بما أن العمل في المجال العام أصبح مسدودًا، وبما أن الدولة لن تسمح بأي درجة من درجات الحركة خارج إطارها وسيادتها، ولن تقبل بأن تُرفع أي رايات للمعارضة، فليُتركَ المجال العام مؤقتًا وليتوقف إهدار الطاقات في مظاهرات وفعاليات عبثية لا طائل منها.

هذا ما يقول به التيار الثالث الذي ظهر كوسط بين التيارين السابقين والذي يقدم رؤية مستقبلية للتعامل مع ظاهرة موت السياسة وإنسداد المجال العام، وهذا التيار هو ما نتبنى طرحه في هذا المقال.

ويرى هذا التيار أنه لا حل للخروج من ظاهرة موت السياسة الحالية إلا بأن يعود المنضوون للحراك لذواتهم، يسبروا أغوارها ويعرفون إمكاناتها بعيدًا عن عمى الأيديولوجيا والانفعالية الزائدة التي ميزت الحراك منذ يناير 2011.

عودة إلى الكهوف لمزيد من القراءات عن الأيديولوجيا والنشاط التغييري في العالم، قراءة في الممكن والمستحيل، عن الإمكانات والعقبات، عن الفرص المتاحة والعقبات التي تعترض الطريق، وليُعد أفراد الحراك قراءة أفكارهم وقناعاتهم والأيدولوجيا التي يؤمنون بها من جديد، بعقل نقدي واعٍ وبانفتاح على مختلف الأفكار والمشارب الفكرية، ليجيب كل فرد من أفراد هذا الحراك التغييري على أسئلته الفردية الخاصة التي ستكون وبلا شك بادرة للإجابة عن السؤال السرمدي: ما العمل لإحداث التغيير؟

لماذا هذا الوقت هو وقت الإجابة عن الأسئلة الفردية المتعلقة بالتغيير؟

إن سنن التاريخ تجري على أنه لابد لكل نشاط تغييري أو ثوري من طليعة تتقدم الصفوف لتهدي الجماهير، وتُعمل العقل لتحق الحق، طليعة مثقفة قرأت التاريخ ووعت دروسه وفهمت الواقع وتمرست على أساليبه ومحركاته.

لكن وبكل أسف، فإننا نقولها وبملء أفواهنا إن الحراك التغييري منذ الخامس والعشرين من يناير قد أفتقد بشكل واضح لهذه الطليعة والتي استبدلت بنخبة فاسدة لم تقرأ التاريخ ولا الواقع وحركتها الأطماع السياسية والرغبة في تعميم أيديولوجيتها، لذا فقد سادت سياسة القطيع وسيقَتَ الجماهير من نُخبتها وقاداتها كما تساق النياق، وأمَا وقد خالط الجهلُ وقلة الثقافة خمارة النفوس وفعل بها أشد مما يفعل حَمِي الكؤوس، فقد ظهر لنا ما ظهر من طاعة عمياء وانقياد أعمى خلف شعارات رنانة، أوردت القوم والبلاد والعباد المهالك.

لذا فقد وجب علينا – إن كنا مؤمنين – أن نتعلم الدرس، فما يلدغ مؤمن من جحر مرتين، والدرس هنا هو أن ننتصر في معركة الوعي قبل أن نخوض معركة التغيير، انتظارًا للحظة حاسمة ستأتي لا محالة، فلا أنظمة تبقى ولا حكام خالدين، ليس قولي ولكنه قول التاريخ، والتاريخ لا يكذب على من يقرأه بعين عقله قبل عين بصره.

وعي نؤسس به لطليعة شبابية جديدة واسعة القاعدة ومنتشرة في كامل القطر وفي مختلف الأرجاء، طليعة عصامية لا تنتظر من الأحزاب أن تثقفها أو من المجتمع أن يُعلمها، بل يشق أفرادها طريقهم منفردين للإجابة عن أسئلتهم، واستكشاف ذواتهم وتثقيفها.

قد يرى البعض أن هذا نوع من الترف الفكري وانغماس موغل في الفلسفة لا طائل من ورائه، وقد يسميه آخرون عبثية  فكرية  وفي أحسن الأحوال قد يطلق عليه البعض تندرا «جهاد الكيبورد»، في حين قد يشكك البعض الآخر من الأساس في جدوى الدور الفردي في إحداث التغيير في عالم اليوم.

لكن لا يهم، المهم أن البعض ليس بالقليل قد فهم بعد خمسة أعوام من يناير أن الطريق إلى التحرير كان يلزمه المرور أولًا على صالونات الفكر وقاعات الجامعات وأجنحة المكتبات، وأن بناء العقول التي ستقود الثورة أهم ألف مرة من اكتساب الأتباع والمريدين لها، والذين تخلوا عنها وعن مبادئها حين اشتدت النوازل وعظم الخطب.

أخيرا تبقى لنا أن ندرك أن علاج ظاهرة موت السياسة لن يتم إلا بدعم وعي الأفراد بذواتهم، وأن موت السياسة لن تحييه إلا حياة العقول، وأن الدور الأساسي للكيانات السياسية والحزبية والمجتمعية في الوقت الراهن هو دعم الأفراد للإجابة على أسئلتهم الفردية الخاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يناير
عرض التعليقات
تحميل المزيد