إذا سلمنا بحقيقة أن الثورة مازالت (مستمرة) في نفوس أغلب من شاركوا فيها، فإنه لا مفر من الاعتراف أيضًا أن أي حراك في الشارع بالشكل المعروف، صار مقتصرًا فقط على الإخوان. ولا يخفى أيضًا أن هذا الحراك قد تراجع كثيرًا، إلى حد السكون. ولا شك أن أزمة قيادة الإخوان وانقسامها، هو من أهم أسباب هذا التراجع؛ مما يعني أن الأزمة لا تهدد الجماعة فقط، وإنما تهدد الثورة ككل.

ولست – هنا – بصدد مناقشة أزمة القيادة في الجماعة، وإن كانت لدي دلائل واضحة كالشمس، على أن هذه الأزمة – للأسف – لن تزول قريبا، فما أفسده الدهر لا يمكن إصلاحه في يوم وليلة. وهو ما عكسته بوضوح ردود أفعال طرفي الأزمة على مبادرة الدكتور القرضاوي.

وعليه؛ فإنني أرى أن إنقاذ الثورة الآن، واجب يتطلب خروج قيادة الثورة من عباءة الجماعة، وابتعادها عن دوامة الصراع المتصاعد داخلها، على النحو التالي:-

أولًا: فصل كل العمل الثوري والسياسي عن الجماعة؛ شكلا ومضمونًا، ظاهرًا وباطنًا (ولا أتكلم هنا مجرد “ذراع سياسي” للجماعة، أو تكرار تجربة حزب الحرية والعدالة، الذي لم يستقل يومًا بقرار عن الجماعة).

على الجانب الآخر يتفرغ نفر لإصلاح الجماعة، وإعداد لوائحها، وإجراء انتخاباتها، وتشكيل مكاتبها ولجانها… إلخ. وتلك أمور (بيروقراطية) معقدة تتطلب وقتا طويلا جدا، إلا أن الثورة ليست لديها رفاهية تضييع مثل هذا الوقت، وليست بحاجة إلى هذه البيروقراطية. والتخصص سر النجاح وصاحب بالين كذاب.

(هذا الطرح يتبنى ضرورة استئناف الدور الدعوي والخيري والتربوي للجماعة، وأن يقتصر دورها السياسي على كونها جماعة ضغط فقط، وليست حزبًا سياسيًا ينافس على السلطة).

ثانيًا: من يعملون للثورة على الأرض يشكلون أنفسهم في جبهة ثورية جديدة، لا ترتبط بتنظيم الإخوان، ولا بالمرشد ولا بمكتب الإرشاد (الواقع أنه ربما فرضت عليهم الظروف الحالية ذلك لدرجة كبيرة، مع تزايد اللامركزية).

وإن كانت الجماعة تدعم الثورة وتدعم هذه الجبهة؛ إلا أنها لا تقود الثورة، ولا تحدد المسار.

ثالثًا: تكوين الجبهة الثورية الجديدة قد لا يحتاج من الأساس لأي تغيير على مستوى القواعد والمحافظات والقرى، ولكنه يتطلب تغييرًا على مستوى القيادة العامة. ويتجلى هذا في أن تعيد القيادة الجديدة تقديم نفسها للشعب المصري، معلنة استقلاليتها عن أي حزب أو جماعة، ثم تشرح أهدافها بوضوح، وبساطة، وتعين متحدثيها الرسميين.

(ليس من مصلحة الثورة أن يكون المتحدث باسمها هو المتحدث الرسمي باسم الإخوان (وهو ما عليه الحال الآن بدرجة ما). فهذا يعمق حالة الانعزال والانحسار التي تعيشها الثورة، خصوصًا مع تشويه كل ما يتعلق بالإخوان).

رابعًا: الهدف الأساسي للجبهة الجديدة هو إنجاز ثورة 25 يناير، مهما كانت العقبات، ولكن مع التخفف من مشاكل الجماعة وإرثها الثقيل بحلوه ومره.

خامسًا: على الجبهة الجديدة أن تضع لنفسها (أهدافًا مرحلية) واقعية ومحددة، ولا يشترط عليها أن تلزم نفسها بما ألزمت الجماعة به نفسها من قبل (وفي هذا يقال أهل مكة أدرى بشعابها، فهم أدرى بإمكانياتهم ووسائلهم).

سادسًا: على الجبهة الجديدة أن تقترب من نبض الشارع وتتكلم بلغته، وتحمل مشاكله اليومية على عاتقها، ولا تحتقرها أو تقلل منها، في مقابل ما تضعه لنفسها من أهداف كبيرة (فالأهداف الصغيرة هي ما يحرك الشعوب، وهي ما تمس حياتهم اليومية).

سابعًا: لتكن قضايا المعتقلين ذات أولوية خاصة في عمل الجبهة الجديدة.

ثامنًا: على الجبهة الجديدة أن تنفتح على كل مكونات ثورة 25 يناير، مهما صغر حجمها، أو قل عددها، أو اختلفت أيديولوجياتها ومواقفها السياسية في الماضي. بل عليها أن تسعى بكل الطرق إلى تكوين جبهة واسعة، بمظلة سياسية شاملة، تقدم بديلا مطمئنا للمصريين وغيرهم، لما بعد رحيل الانقلاب.

تاسعًا: إذا كانت شرعية الرئيس محمد مرسي من الثوابت السياسية لانطلاق الجبهة الجديدة، فإن هذا لا يمنع أن تضع يدها في يد من عارضوا الرئيس مرسي، بعد أن تحولوا لمعارضة الانقلاب. ويجب أن تبدأ حوارًا جادًا مع من يعارضون عودة د. مرسي، بل تكون هي من يسعى إلى مثل هذا الحوار، بهدف الاتفاق على آلية تضمن استعادة المسار الديمقراطي.

عاشرًا: لتكن كل الخيارات مفتوحة لتحقيق أهداف ثورة يناير، سواء العمل السياسي لتشكيل أكبر جبهة معارضة، أم العمل الثوري بكل أشكاله (بشرط عدم الدخول في حرب أهلية مطلقا)، بل يجب المزاوجة بين كل هذه الوسائل.

خلاصة: بوضوح، هذه دعوة للفصل بين مسار إصلاح جماعة الإخوان، وبين إصلاح مسار الثورة المصرية. فمن يحمل هم قيادة الثورة وإنجازها يجب عليه أن يتخلص من كل هم آخر.

وليس هناك أكثر إلحاحًا من همّ إصلاح ثورة، تتوق إليه نفوس خمسين ألف أسير وأسرهم، وعشرات الآلاف من المطاردين والمشردين، والملايين من أبناء الشعب المصري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد