في الواحد والعشرين من فبراير عام 2017، كان كل من في الكويت يستعد للاحتفال بذكرى الاستقلال والتحرير، في يوميّ 25 و26 فبراير، وبكل صراحة لا أعلم أيهما يوم الاستقلال وأيهما يوم التحرير، فأنا لم أقرأ في دستورنا الديمقراطي تعريفًا للانتماء والولاء تُشترط فيه مهارة الحفظ، على كلِّ حال، هذان اليومان من أيام العطلة، وجرت العادة أن نُعوض بأيام عطلة رسمية إن صادفا نهاية الأسبوع، فقدنا هذه العادة هذا العام!

هنا مربط الفرس، فالعطلة أصبحت يومًا واحدًا فقط! وشعبنا العظيم لا يرضخ لأساليب التطويع عندما يمس الأمر أيام العطلة، فيا أصدقاء الموضوع ليس بمثل بساطة ضياع فلسطين! أو حتى تهجير الشعب السوري من بلاده! لذا فإننا نرى هذا الشعب العظيم، يبادر بالرد على تعسف السلطة، بالغياب الجماعي، نوعًا من الإضراب، منتزعين بذلك حقهم المغتصب.

حتى الآن، لا يوجد شيء غريب، لكن دعونا نقرأ ما بين السطور.

أنا مُعلّم، وفي ذلك اليوم، لعبت مع طلابي لُعبةً داخل الفصل، أحُب التناظر وأطمحُ أن أغرسَ في طلابي ثقافة الحوار «الحوار الحقيقي، لا حوارنا العربي» اللعبة تعزز وجود هذه الثقافة بينهم، وزعت الأدوات على الست مجموعات، والتي تتكون من طالبين، اثنا عشر طالبًا في المجمل، مشاعر تلك الحصة مظلومة إن حاولتُ وصفها! انسجم الجميع وأصبحت الأجواء حماسية جدًا، شعَر الجميع أنهم جزء وركن أساسي في العملية.

رنّ جرس نهاية الحصة، لكنني في منتصف الفصل، وأمامي اثنتا عشرة روحًا وعقلًا وفكرًا مختلفة، يحارب كل منهم جاهدًا لإعلان رأيه في تصميم المجموعة أ، أخرج من الفصل وإذا أنا مُطارد من هؤلاء الحالـِمين، ما الذي حدث؟ كيف أصبحت العملية التعليمية لدينا ممتعة وفعالة فجأة! ربما يعتقد القارئ أن اللُعبة وطدت العلاقة أكثر بين الجميع، يُؤسفني أن أُجيب بـــ: لا، فاللعبة ليست فكرةً جديدة.

نظرًا لكوني مراقبًا جيدًا للشأن السياسي الداخلي والخارجي، وأعلم أهم أسرار الحكومات واللوبيات السرية، أجد نفسي يا سادة واقفًا مكبل اليدين أمام تفسير واحد منطقي، يفسر هذه الظاهرة الخيالية! وهو أن حكومتنا ليست كما يعتقد ضعاف النفوس بأنها «تمشي على البركة» حكومتنا أثبتت العكس التام! فأسلوبها في حرمان الشعب واستفزازه من خلال عدم تعويضه بأيام عطل، أسلوب تصل فيه لهدفها الأسمى، والذي يتلخص في كلمتين «إصلاح التعليم» تعمّدت الاستفزاز لرفع نسبة الغياب، وتقليل أعداد الطلبة داخل الفصول إلى النصف! بلا عناء بناء مدارس جديدة، أو توظيف المعلمين العاطلين، كيف لمثل هذه الحكومة أن تستحقكم؟ أخبروني ماذا قدمتم لها!

يا للأسف، خيبتم الظن.

مُتأكد أن هذا المخطط السري لم يكن وليد العشوائية، فالحكومة رجعت بالتأكيد لدراسةٍ اُجريت في عام 1985 في ولاية إنديانا سُميت في مراحلها الأولى «مشروع معدل إنجاز المعلم/ الطالب» لتحديد تأثير تقليل أعداد التلاميذ في الفصول الأولية، والتي خلصت في عام 1986 إلى النتائج التالية:

1- الطلاب في الفصول القليلة يحققون درجات أعلى في الاختبارات القياسية.

2- الفصول ذات الأعداد القليلة بها مشاكل سلوكية أقل.

3- يسجل المعلمون في الفصول الأقل عددًا أداءً أكثر إنتاجية وكفاءة.

وأُعيدت الدراسة في عام 2001 وأظهرت نفس النتائج!

والأعجب أن الحكومة أخذت بالحسبان مصلحة المعلم! البروفيسور إيريك هانوشيك، أستاذ علوم الاقتصاد والسياسة العامة، والذي تتلمذ في ستانفورد وييل وروتشيستر، يقول: إنه ليس من المحتمل أن يحقق تقليل الأعداد الموجودة في الفصول فائدة للطلاب، بيد أنه بالتأكيد سيؤدي بالفعل إلى خفض رواتب المعلمين! فتقليل أعداد المتعلمين في الفصول يُقلل طرديًا مجمل عددهم في المدرسة، مما يؤثر في الراتب المعطى للمعلم سلبًا، الأمر الذي من شأنه بالتأكيد أن يؤثر في دافعية المعلم، وهذا أخوف ما تخافه حكومتنا الكريمة طبعًا!

توقفوا عن إلقاء التهم جُزافًا على السلطة، فكروا قليلًا في المقاصد الدفينة! إعلان خطط الحكومة على الملأ سيجعلُ أعين كل الكرة الأرضية توجّه إلينا، لتقصفنا بسهام الحسد والحقد الدفين، أرجوكم استمروا بالغياب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد