تقشفوا وتنازلوا عن تعويضاتكم أولا

هبة 2011 كنا نتمنى أن نصل لسنة 2019 وقد قطعنا أشواطًا في الديمقراطية لكن ما انفكت تعود البلاد لسيرتها الأولى، نعم أو ربما أسوأ مع غياب تام للغة الحوار مع زعامة وزير الداخلية الذي لم يصوت عليه أحد، أسبوع كان مليئًا بصور القمع الذي طال الأساتذة المتعاقدين، عملًا بقاعدة ما لا يحل بالقمع يُحل بمزيد من القمع، على كل حال هي حكومة تسير من وراء حجاب تلكم هي الديمقراطية في المغرب.

يسيل حبر كثير من الأقلام في هذه الأثناء حديثًا عن معركة الأساتذة المتعاقدين أو كما يسمونها «الذين فرض عليهم التعاقد»، من يطلع على تفاصيل هذا الموضوع لن يلحقه الشك في أن غاية الدولة من هذا البرنامج لا علاقة له بإصلاح التعليم بل مجرد ترشيد للنفقات على حساب مصلحة الأساتذة الشخصية، الكثير من الأساتذة مشكلتهم ليس مع التعاقد وإنما مع الشروط التي يكتنفها العقد، فهم يريدون عقدًا يحفظ لهم كرامتهم وألا تجعل منهم الدولة قنطرة تعبر منها من الأزمة المالية أو ضحايا لشروط كريستين لاغارد.

المهم أن المعركة قسمت المواطنين غير المنتمين لهذه الطبقة التي تسعى لمصلحتها الشخصية، فريق يتهم الدولة وفريق يتهم الأساتذة بتعطيل دراسة أبنائهم، وإذا نظرنا لجميع القطاعات بعين فاحصة فلا يمكن إلا أن نخرج بخلاصة أن الدولة تمارس التقشف على طبقة دون أخرى، فالأستاذ الذي يمد عينيه لتعويضات الوزراء والبرلمانيين وكتاب الدولة وغيرهم لا يمكن أن يتنازل أو يقبل بأن يكون الفريسة الوحيدة التي طالتها مخالب الفئة الباغية ولعلنا شاهدنا كيف قاد البرلمانيون قبل أشهر حملة شرسة بعد أن تلقوا هجومًا شرسًا بسبب استفادتهم من الريع والمال «السايب»، حتى أن أحدهم اشتكى بسبب انقطاع أموال الريع فقد اضطر لسحب أبنائه من المدارس الخاصة!

ولأننا اعتدنا على مسؤولين يرددون ما يقال لهم من الأعلى فمن الطبيعي أن يغيب التوافق وتكون هراوة وزارة الداخلية هي الحل، على الأقل قبل سنة 2011 لم يكن لدى المغاربة إدراك سياسي وكانوا في واقع وقمع واضح دون مواربة ودون ضحك على الذقون، أما الآن فالجميع يشاهد حكومة تمارس وظائفها وينظر إليها بسريالية وأنها مجرد فم يؤكل به التوم، البلاغ الحكومي يوم (الأربعاء) كان مثيرًا للغثيان ويمجد الحكومة ولم يتطرق ولو بحرف واحد للقمع الذي تعرض له الأساتذة، هم مواطنون لهم الحق في التظاهر السلمي، وكذلك فعلوا فلاحقتهم قوات تكفي لتحرير سبتة ومليلية والجُزر، نفس الطريقة التي تم التعاطي بها مع حراك الريف هم دائما على صواب وهم الملائكة التي لا تخطئ، هم أنفسهم من وقفوا ضد المقاطعة التي نهجها المغاربة في أسلوب حضاري، هذه هي حكومات ما بعد 2011.

من الواضح جدًا أن هذه الأزمة تحتاج إعادة نظر شاملة بحيث يكون إصلاح التعليم هو الهدف، موضوع له ثلاثة أطراف: مصلحة الدولة ومصلحة الأستاذ ومصلحة التلميذ، موضوع ليس من السهل حله بين ليلة وضحاها، الأمر أعقد من ذلك بكثير، ولا ندري إلى أين ستصل هذه الدعوات للاحتجاج لكن الأكيد أن الدولة مصممة على عدم التنازل وهددت بفسخ العقد على الأقل إلى غاية كتابة هذه الأسطر، والأساتذة نفس الشيء نفس التصميم ولا وجود للحوار، التنسيقيات اختارت توقيتًا حساسًا وهي تنهج سياسة لي الذراع، فالكثير من التلاميذ محرومين من بعض المواد الدراسية وهذا يشكل ضغطًا رهيبًا على الدولة رغم أن جميع المسؤولين الكبار في الدولة لا يدرسون أبناءهم في المدرسة العمومية… ما علينا.

المثير للإعجاب حقًا هو التنظيم المحكم والتكاتف الذي جعل الدولة تفقد تركيزها عبر تنسيقيات أرهقت وزارة أمزازي، هذا ما تحتاجه كل التحركات والهبات الشعبية التي تطالب بحقوقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد