عزيزي القارئ مرحبًا بك.

بادئ ذي بِدء، أَوَد أن أركز على أن غزة هي الشعلة التي أُرِيدَ لها أنْ تَنْطَفئ بعد أنْ باتت نموذجًا حيًّا لمعنى كلمة الصمود، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بالرغم من الهجوم الشرس الذي يتعرض له سكانها، من إفقارٍ في لقمة العيش، وقصفٍ بِأَعْتى الأسلحة وَخَنْقٍ لقطاعٍ مساحته 360 كيلومترًا مربعًا، وعدد قاطنيه حوالي 700 ألف نسمة. يَحْمِل هذا الهجوم بين طياته مَعَاوِل لِهَدْم هذا المعنى في قلوب أهلها لِتصْبِح خاويةً على عروشها، وأثرًا بعد عيْن، لا حيةً باقيةً، وأثرًا يَغرِس في قلوب شباب الأمة كيفية الحفاظ على القيم الإنسانية، والفطرة السوية التي لازمت الإنسان منذ خلقه، وجاء الإسلام لِيُتَمِّمها ويضيء في القلوب ما أطفأته الآلة الإعلامية الغربية والعربية، اللتان تمتزجان بمزاج الصهيونية. «العيش في كمد وغم ومشقة سببه مقاومة الواقع الأليم، والاستسلام للواقع يزيل عنك كمدك وهمك». لكن لا تذكر هذه الآلة الموَّجهة أن الأمم السابقة حينما استسلمت للواقع الأليم أصبحت ذكرى وأثرًا بعد عَيْن. لكنّ غزة بثباتها وصبرها غَزتْ قلوب العالمين، فها هي في نشرات الأخبار صباحًا ومساءً تَجْلِي صدأً أصاب القلوب من الركون إلى الدنيا والاستسلام للواقع المرير.

غزة ذات المساحة الصغيرة المقدرة بـ360 كم مربعًا تَحْمِل على عاتقها تحرير فلسطين ذات المساحة الكبيرة المقدرة بـ2700 كم مربعًا.

هزاني (غزة ما قبل الميلاد)

قَطَن الكنعانيون غزة قبل الميلاد بـ1500 عام، وأطلقوا عليها هزاني، وهي مدينة ساحلية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، تتميز بموقع جغرافي مهم بين مصر والشام، ظلت غزة بيد الكنعانيين حتى غزتهم الأسرة الفرعونية حاكمة مصر آنذاك، وظلت في أيديهم ما يقارب 350 عامًا وأطلقو عليها غازاتو، حتى سقطت في يد الفلستينيون، وهم شعب ساحلي استوطن غزة وجعلها في القرن الثاني عشر قبل الميلاد من المدن الرئيسية، أُخِذَتْ التسمية الحالية فلسطين من اسم هذا الشعب.

فُتِحَت غزة في عهد الملك النبي داود، عليه السلام، قبل الميلاد بألف عام تقريبًا، وأطلقوا عليها غزة، ثم توالت على غزة ممالك وإمبراطوريات، كمملكة شمال السامرة، وقبل سبعة قرون من ميلاد المسيح تقريبًا سيطرت عليها المملكة الآشورية، ثم وقعت تحت حكم الإمبراطورية الفارسية، الذين أطلقوا علي عليها هزاتو.

غزة (ما بعد الميلاد)

توسعت الحضارة الرومانية في الشرق وشمال أفريقيا، وظلت غزة مقاومة لفارس الدنيا آنذاك الإسكندر الأكبر خمسة أشهر، ثمَّ أصبحتْ مركزًا للحضارة والتعليم والفلسفة، قَطنت غزة أعراقٌ متعددة من الإغريق، والرومان، واليهود، والمصريين، والفرس والأنباط، وكان يدير شؤونها مجلس مكون من 500 عضو، أدى ذلك إلى إثراء الحياة الاجتماعيه والسياسية وازدهارها بين الأمم.

مع أُفُولِ الدولة الرومانية الْتحقتْ غزة بالدولة البيزنطية، وتحولت المدينة إلى المسيحية، وَهُدِمَت المعابد الوثنية.

نقتبس من موقع عربي21 ما يدل على ذلك؛ ففي عام 2016 قال وكيل وزارة السياحة والآثار في قطاع غزة، محمد خلّة، إن عمّالًا فلسطينيين عثروا، مساء السبت، على قطع أثرية من كنيسة تعود للعهد «البيزنطي»، في أثناء قيامهم بأعمال حفر، شرق المدينة.

وأضاف المسؤول الفلسطيني، في حديثه مع وكالة الأناضول: «بعد معاينة القطع الأثرية الثلاث التي عُثر عليها مقابل ميدان فلسطين، شرق مدينة غزة، تم التأكد من كونها تعود لكنيسة من العهد البيزنطي».

وذكر خلّة أن وزارة السياحة والآثار، عثرت على «تاج عامود رخامي»، بالإضافة إلى قطعتين حجريتين من الرخام تشكلان قواعد لأعمدة الكنيسة.

وأوضح أن الكنيسة البيزنطية، التي دلّت عليها القطع الأثرية المُكتشفة مؤخرًا، تعود إلى القرن السادس الميلادي.

«غزة هاشم» والإسلام

كانت غزة مَصْيِف قبيلة قريش وما حولها من القبائل، فكانت رحلة تجارتهم صيفًا إلى الشام تمر عبر غزة، وكانت بوابة وملتقى لأهل مصر والشام وشبه الجزيرة العربية و«مركزًا تجاريًّا وميناءً مهمًّا»، والغائب المُؤَكد أن غزة فيها نفحة من نفحات النبي الكريم؛ ففيها قبر جده هاشم سيد قريش، ولذلك تدعى غزة هاشم، كان في رِحَلاته التجارية وتوفي فيها، زَارَها عمرو بن العاص قبل دخوله الإسلام في إحدى رحلاته، فَأَلِفَت العرب وأَلِفُوها، وأحبتهم وأحبوها، ودخلها عمرو بن العاص فاتحًا بعد معركة أجنادين ضد الرومان، ودخل المسيحيون من أهلها الإسلام أفواجًا، وتحولت الكنائس إلى مساجد واستبدلت اللغة العربية باللغة المحلية.

توالت على غزة مصائب الزمان، إلا أنها كانت دائمًا كالجبال صلبة لا تتزحزح، ومَأْوَى مَنْ لا مَأْوَى له.

احتل الصليبيون غزة، وأشاعوا فيها الخراب، إلا أنها عادت بعد معركة حطين، ثم سقطت في أيدي المغول، ثم عادت بعد معركة عين جالوت، وظلت تحت الحكم الإسلامي إلى أن سقطت الخلافة العثمانية واحتلَّ الإنجليز فلسطين، فكانت مأوى للمُشَردين والمُهجرين قسريًّا من الشعب الفلسطيني بسبب أفعال الهجَّانَة الصهيونية المدعومة دعمًا مباشرًا من الاحتلال الإنجليزي.

الشعوب العربية المُؤْمِنة بالربيع العربي والمُنَاصِرة لِلْقيم الإنسانية مَدِينَة لغزة كَدَيْنِ إِخوَةِ يُوسف ليوسف، عليه السلام،

خُدِّرت الشعوب العربية عقودًا من الزمن باسم القومية تارة، والاشتراكية تارة، والوطنية تارة، وتوهمت أنها تحررت وملكت زمام أمورها وَحكمَها أبناؤها «المخلصون الزاهدون» ، إلا أن غزة كانت كالضوء يزيح الظلام أينما وُجِّه، فكشف هذا الزيف والخديعة الكبرى التي استَوْطَنَتْ قلوب الشعوب. أَحْيَتْ غزة في قلوب الشعوب مَا أُرِيدَ له أن يَنْطفئ.

وهو مُقَاوَمَةِ المُسْتبد مهما علا وتجبر، حتى وإن كان المقاوم ضعيفًا والمُسْتَبد قويًّا، أَحْيَتْ في القلوب الشَجَاعة والصبر واليقين، «إن المقاوم الضعيف إذا صاحبه حقٌ أصيل لا بد وإن طال الزمن أن يكون قويًّا منصورًا، والقوي إذا صاحبه ظلم وضيع لا بد وإن طال الزمن أن يكون ضعيفًا منبوذًا».

كشفت غزة زيف «الأبناء المخلصين لأوطانهم» حينما كانوا يستهزؤون بالمقاومة ويقولون «حجارة في وجه دبابة عاقل أم مجنون من يفعل ذلك، وكيف لحجارة أن تهزم دبابة» تَناسوا قول الله، عز وجل، «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ»، وفَضَحَتْ غزة الخُمَيْنيَّة عَرَّتْه أمَامَ شعوب المنطقة وشعبه، ينادي بالحرية لغزة ويحتل العراق، وسوريا، ولبنان، يُقْتَل أَتْبَاعَ الخمينية في سوريا من قَبَلِ إسرائيل، فَيَدُك الخُمَيْنيون الأحرار من شعب سوريا، وكذلك بشار الذي كان يقف كالطاوس بينَ أمثالِه مِنَ المَندوبين الساميين، ويتفاخر بدعمه لحركات المقاومة لتحرير القدس فَيُضْرَبُ بالعصا مِنْ إسرائيل؛ فَيَنْتقم من شعبه بالبراميل المتفجرة، وأصبح كالنعامة بين أقرانه، وفُضِحَ زيف حزب الله وشيخه الذي كان يملأ الدنيا ضجيجًا «حيفا وما بعد حيفا»، يَقْتل في الشعب السوري وَيُعين ظالمًا، وكُلَّما قُرِع بالعصا من إسرائيل يَخرج على الشاشه بصوته الأجش «حينما أَفْرُغُ من إبادة الشعب السوري سَأَضْربك يا إسرائيل فَحِسَابُك ليس اليوم»، وعرت الحويثيين الذين ينادون بالموت لإسرائيل ويقتلون الشعب اليمني بالجوع والفقر والأمية، لاعتقادٍ وَهْمي أَنَّهم أصحاب إمامة، إلا أنَّ غزة وما فيها من دُرَرِ ولَآلِئ أضاءت للبشرية جمعاء نور الآية الربانية في قول الله، عز وجل، «لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ»، قالت لإخوانها من المدن العربية بَوْصَلَتي القدس، إني لكم ناصحة أمينة، أُحِثُّكُم على ترك الخلاف بينكم، لِأَنَّ المُخطئ لا بد يومًا أنْ يَعود، ما دمت لكم ناصحة أمينة.

غزة ترفع أقوامًا وتذل أقوامًا، تَجَّلَى معنى  نصرة الحق في أغصانها، فأصبحت نصرة الحق كالثمار ناضجة، فقطفه الرئيس التونسي قيس بن سعيد، فحملته أغصانها فَسَمَا وَبَسَقْ، وها هو يَشْدُو على أغصانها بصوت يُطْرِب الآذان، وترتفع بالدعاء له البنان.

وَصَاحَ بغزة طيرٌ مُلَبِّيًا، فَحَمَلته رِيُحها تَجُوب الدنيا، وتَشْذُوا ذِكْراه بين القلوب، وَيَفُوح مِسكه يزكي الروح، «ليبيك يا غزة» صدحَ بها رئيسُ مصرَ محمد مرسي من خلف القيودْ، فَأَذَابت غزة القيود، وَجَعَلته غزة رَفَيقَ دربها في معنى الصمود، رحمه الله.

غزة التي كانت غُصَّةً في حلق شارون لم تكن نقطة سوداء في سجله العسكري فحسب، بل كتاباً أسود غطى على كل انتصارته، وانسحب مهزومًا ذليلًا، الغائب لدينا، المعلوم لدى الأوساط الإسرائيلية أن نتنياهو يَرى نفسه المُخَلِّص للشعب اليهودي، وَبَاني حضارتها، وغرد ابنه على تويتر وقال «إن إسرائيل قبل والده كانت متخلفة»، نتنياهو يرى نفسه كالملك داود مؤسس الدولة الإسرائيلية القوية، ولذا وجَبَ على الإسرائيليين أنْ يُنَصبُوه ملكًا، أصابتهُ عدوى الخلود في الحكم كأقرانهِ من الدول المجاورة، ماذا فعلت غزة به؟ أَنْكَصَتْه عَلى عَقِبيْه وخسر صدارة الانتخابات، وجعلت ترامب حليفه الصدوق يقول لا أحب المهزومين، وفي عهده ضُرِبَت تل أبيب بصواريخ المقاومة، وأَسْكَنَت مواطني إسرائيل الملاجئ، وتوقفت حركة الملاحة في مطار ابن غوريون، وجعلت نتنياهو يعيش سَكرات الموت في المجال السياسي، كما جعلت أولمرت من قبله، وجعلت أصدقاءه من الحكام العرب في خَوْفٍ على مستقبلهم السياسي، نموذج صغير حي في وجدان الشعوب يطرق العقول والقلوب «مهما كانت المقاومة للباطل صغيرة لا بد يومًا أن تَنْضُج، بعد أن كانت حجارة أصبحت صاروخًا».

شعب غزة يُسَطِّرُ معاني الصمود على ألواح من ذهب، تُخَلَّد للأجيال القادمة ليتعلموا أن غزة كانت كشعلة مُضيئة في غرفة مُظلمة، وسط كثير من الشعل التي تخاف أنْ تُضيء فتحترق، إلا أن غزة تَحُثُّهم أنها شعلة من نور تضيء من الفطرة الإنسانية السوية، وليست شعلة من نار تحرق نفسها، حتى إذا أضاءت كل الشعل، رأينا أسوار القدس تضيئ بالنور وتفتح أبوابها لأحبائها الذين طال غيابهم عنها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد