أحدَث وثائقي (لهيب الحرب – flames of war) الصادر عن مركز الحياة الإعلامي التابع لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” صدىً واسعًا وعلى أكثر من مستوى، وخصوصًا في البلاد الغربية المستهدَفة بهذا الإصدار رأسًا، وكذلك في الدول العربية والإسلامية بطبيعة الحال.

 

يمثّل هذا العمل، كسابقيه من الإصدارات المرئية لتنظيم “الدولة الإسلامية”، نمَطًا طبيعيًا ونتاجًا لرؤية أمراء حربٍ يعرفون جيدًا كيف يديرون حروبهم ويوظّفون أدواتهم فيها على مستويات مختلفة. الفيلم إصدار إعلامي مفترض أن يتم تصنيفه تحت بند “الحرب الناعمة”؛ إلا أن توظيفه هنا يضعه في سياق الحرب النفسية، كسلاح رَدع مُتخَم بالرسائل التهديدية الاستباقية، المأخوذة من واقع عمليات التنظيم في كل من سوريا والعراق كما عرضها الفيلم. وهو ما يعضّد وجهة النظر التي تعتبر تنظيم الدولة الإسلامية تساوي تنظيمًا “عسكريًا” فائقًا ذا أغراض توسّعية استعمارية تطهيرية، يديرُه أمراء حرب ذوو خبرة عالية يستخدمون تكتيكات فريدة ميدانيًا، موظّفِين الأيديولوجيا والزّخَم البشري المهول أفضل توظيف ممكن.

 

يمكننا أن نعتبر (لهيب الحرب)، تطبيقًا نموذجيًا لأطروحة (المجتمع المشهدي الاستعراضي) التي يتمّ من خلالها صياغة الواقع لدى المتلقّين من خلال مشهَد أو عدّة مشاهِد مُعَدّة بانتقائية، بصرف النظر عن صدق أو كذب هذه المشاهِد.

 

يأتي هذا في سياق “الحرب النفسية” الإعلامية التي تستهدف: أولاً، ضَربَ مركز ثقل العدوّ (إرادة القتال لديه ولدى حلفائه) من خلال إبراز صورة مُخيفة مُرعِبة لسلوكيات أفراد التنظيم وإمكاناتهم النفسية وخلفياتهم العقدية وما يُمكِنهم إلحاقه بأعدائهم من الخسائر. وثانيًا، دعم وحشد المنتمين والمؤيدين للتنظيم. كلّ هذ من خلال مجموعة من المشاهَد المنتقاة بعناية، تمّ تصوير مادتها الفيلمية على مدار ثلاث سنوات، مُرفَقة بموادّ صوتية منتقاة ومُؤدّاه بعناية أيضًا، كل هذا في إطارٍ من الإثارة والإبهار.

 

حالة الانبهار التي صاحبَت عرض الفيلم عبر الإنترنت، ترجع في المقام الأوّل إلى التميّز النسبي لـ(الشكل) الدّعائي والتقنيات المستخدمة فيه مقارنةً بالإصدارات المرئية للجماعات الجهادية المقاتلة، وهو ما يستدعي حالة الانبهار التي صاحَبَت فيلم (جحيم الشيشان 3) الصادر في مطالع العِقد الماضي من الألفية، حيث استُخدِمت فيه تقنيات الجرافيك وحرفيات المونتاج والمكساج بشكلٍ هو الأول من نوعه في نطاق الإصدارات الجهادية المرئية حينها.

 

أما من حيث (المحتوى)، فكان “الجديد” فيه قليلًا وإن كان شديد التكثيف والتركيز. فما حفل به الفيلم من تصوير للمواجهات على الخطوط الأمامية ليس بجديد؛ فالتصوير الحربي (سواء للتدريبات أو للمواجهات على الخطوط الأمامية أو للعمليات النوعية) تعتمده الجماعات الجهادية المقاتلة على عادتها. حدَث هذا في مرئيات الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، ومرئيات الجهاد الشيشاني ضد الروس، والجهاد البوسني ضد الصرب والكروات، والجهاد العراقي ضد الأمريكان، وغيره.

 

كذلك مشاهد المواجهة الباسلة والمُطاردة الرائعة، ليست مسبوقة. يكفي أن أحيلك مبدئيًا على مشهد في فيلم (الله أكبر .. فُتِحَت كابُل)، وهو فيلم فيديو من أيام الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، حيث ترى مقاتلاً أفغانيًا شابًا في إحدى المعارِك يجري بين الأشجار باتجاه جنود سوفييت ثم يقذف نفسه في الهواء، ويتشقلب وينزل فاردًا جسده على الأرض مُطلقا زخّات الرصاص باتجاههم. بإمكانك أيضًا أن تلقي نظرةً على لقطات حيّة لمجموعات المقاومة الجهادية في السويس إبّان الاحتلال الصهيوني لمصر.

 

أيضًا، مشاهِد الشُهداء ولحظات خروج الرّوح بخفّة الزفير، وكلِمات القادة قبل العمليات، وحالات الإعدام الميداني، كلّ ذلك سبَق عرض أمثاله في إصدارات مرئية جهادية كثيرة ومتنوّعة، باستثناء حالات الإعدام الميداني التي يُصِر إعلام تنظيم “الدولة” على إبرازها بطريقته الخاصة جدًا.

هذا فيما يخصّ المحتوى. أما من ناحية الشكل الذي استهدَف إثارة الإبهار والهيبة والخوف؛ فقد جاء استخدام كاميرات التصوير عالية الجودة، وحرفيات المونتاج بتنوّعاتها (القطع والمزج والحركة البطيئة وتثبيت الصورة وتعديل ألوان الصورة وغيره)، والمكساج والمؤثرات الصوتية، والإيقاع المُوظّف بشكل مُذهِل، وخصوصًا في مشهد مُطاردة الجنود الفارين بعد اقتحام الفرقة 17، حيث تشعر تمامًا وكأنك في مشهد من فيلم رُعب هوليودي قحّ.

 

والحقيقة أن شريط الصوت يستدعي منا اهتمامًا خاصًا ببعض مكوّناته، حيث جاء صَوْتُ المعلّق وأداؤه الاحترافي متنوّع الإيقاع ليُسهِم في إيصال الرسائل التي حفَل بها التعليق المكتوب بحِرفية وعناية تفصيلية وتوجيه فائقين، والذي أفصَح عن رسائل كثيرة سنورد ما أمكن منها في آخر المقال. وجاء استخدام صوت الشيخ الحُصرِي في موضعين كنوع من التأكيد على “أصالة” فكرة الخلافة وسلوك تنظيم الدولة عبر مسيرته في كلٍ من العراق والشام. كما جاءَت الأناشيد المُنتقاة المُستَخدمة كخلفية صوتية لتؤدّي دورًا رِساليًا زائدًا على الدور الشعوري الذي تؤدّيه الموسيقى التصويرية بطبيعة الحال.

 

إلا أنه، والشيء بالشيء يُذكَر، كان هناك إسرافٌ واضحٌ في استخدام مؤثّرات صوتية بعينها، وزخَمٌ زائدٌ في التوظيف المتكرّر لبعض تقنيات الجرافيك. كذلك ظهرت مشكلة في التصوير الليلي في مشاهد اقتحام مقرّ الفرقة 17 – يمكن تجاوزها-، وإن كان تمّ استدراكها بشكل رائع في مشاهد مطاردة جنود نظام بشّار بعدها مباشرة. أضِف إلى ذلك غياب “الرابط البصري” بين بعض اللقطات داخل بعض المشاهِد التي تمثّل (مقدّمة ونتيجة /أو/ بداية ونهاية) لاقتحامٍ أو اشتباكٍ ما.. وهو ما يسوّغ القدَح (على المستوى الفنّي على الأقل إن لم يكُن على مستوى المصداقية) في هذه الأجزاء من العمَل.

 

مشهَد النهاية في (لهيب الحرب) هوَ الأفدَح من نوعه؛ حيثَ أنه يضعُ كُلَّ مَن يُشاهِد الفيلِم أمام تلك التجربة التي قد يتعرّض لها لاحقًا، أن يحفر قبرَه بيديه، ويجلسَ منتظِرًا لحظة إعدامٍ لا يرى فيها رصاصة الموت وهي تنطِلق تجاهه تنتزع روحه وتدحرج جثته الهامدة إلى حيث حفر لها. الفدَاحة في التأثير النفسي لهذا المشهد تحديدًا تتمثّل في تلك الرسالة (هذا الواقع سيطالك قريبًا؛ فالحرب قد بدأت لتوّها).

 

الواضح جدًا أن الاستهداف الأكبر في الفيلم، كان منصبًا على مخاطبة المشاعر والعواطف والإرادة، متجنّبًا مساحات الفكر والجدَل والعَقل؛ فلَم نُشاهِد في العَمل أيّة إشارة إلى عواملَ جوهرية في الصراع كالصراع على البترول ومصادر الطاقة، وحقيقة الاقتتال بين التنظيم والفصائل القتالية الأخرى، وما شابَه.

أخيرًا، حفل الفيلم بالكثير مِن الرسائل، من بينها:
– تأكيد نزع تنظيم الدولة بيعته للظواهري من أول ثانية من الإصدار؛ حيث تصدّرت الفيلم مجموعة صور للراحل أسامة بن لادن وأمراء تنظيم الدولة (أبو عمر وأبو بكر البغداديين وأبو مصعب الزرقاوي) وأمير الحرب الراحل أبو حمزة المهاجر، ومتحدّث التنظيم الحالي أبو محمد العدناني، وفقط.

 

– تأكيد حالة المواجهة والاستقطاب بين فسطاطين (التحالف الدولي ومشروع الخلافة) من أول مشهد في الفيلم.

 

– تكريس فكرة “الحرب المقدّسة” و”التأييد الإلهي” و”موعود الله” و”تحصيل الفوز” على أية حال، نصر أو شهادة.

 

– تأكيد حالة الاستعلاء ونخبوية الدور والرسالة والتموضُع التاريخي، انطلاقًا من منهجية التنظيم الفكرية والميدانية.

 

– استمرار التنظيم على عقيدته القتالية التي تستهدف الصفويين والشيعة الروافض أولاً.

– “ديليفري” الرعب. أينما تكُن ستصلك أنشطتنا التي رأيتَ جانبًا منها.

 

– استدعاء واستنفار لكلّ مَن يمكنه الاستجابة من المسلمين للّحاق برَكب صانعي “العصر” الجديد.

 

– تأكيد التنظيم على موقفه من التنظيمات المقاتلة الأخرى في سوريا، والتصريح بوصف بعضهم بـ(الصحوات).

 

– القتل وحده لا يكفي. والنهايات لن تكون سهلةً.

 

– مُبادأة ومبادَرة تنظيم “الدولة” للتحالف الدولي بالحرب النفسية الإعلامية، مع التحذير من إمكانية تفعيل هذه الحرب ميدانيًا في أقرب فرصة سانحة.

 

– إعطاء لَمحة عن طريقة تفكير قادة التنظيم استراتيجيًا، من خلال خارطة تحرّكات قوات التنظيم داخل سوريا.

 

– الكشف عن بعض الأوراق المُخيفة التي يصعب حرقها، متمثلة في المقاتلين الأجانب المنضمّين للتنظيم بالفعل، ومماثليهم المؤيّدين لها وما زالوا في بلادهم وينتظرون الإشارة للبدء في تنفيذ ما تأمرهم به قيادات التنظيم.

 

– أيدينا داخل أحشائكم. هذه خلاصة المشهد الأخير الذي يظهر فيه الجندي الأمريكي الملثّم، والذي يبدو متمرّسًا على حَمل السّلاح واستخدامه بسهولة. لا تستبعدوا أن يكون جنديًا سابقًا من المارينز.

على الهامش:
– أكثر الكلمات تكرارًا في الفيلم – غير مرتّبة – هي “لهيب الحرب”، “القتال بدأ الآن”، “عصر جديد”، “النُصيرية”، “النجسة”، “الحمد لله”، “المجاهدين”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد