أرى عزيزي القارئ أنه لا يجدر بنا (ونحن الآن في صدد عصر حريتنا) أن نتجاهل ما يجري في أرضنا ويسبح في أثرنا من أنواع المخازي والعارعلى المستوى الاجتماعي أو السياسي.

والعودة إلى مذكرات (الأسطى حنفي العربجي) تفتح بابًا جديدًا للكلام ونقد الخلل الذي أصاب الرؤوس والأجسام.

نعود مرة أخرى إلى (حكاوي) الأسطى حنفي عن المواقف التي يمر بها من خلال مهنته، ويخبرنا بطريقته الساخرة الناقدة ما يمر عليه من مواقف، لكن هذه المرة عن تدني الأخلاق الذي وجده في بعض الزبائن، فيقول:

بعد أن تركت بعض الزبائن ومدفع رمضان على وشك أن يؤذن لعباد الله الصائمين بالإفطار، ركنت بجانب كوبري شبرا أغير ريقي على اللي فيه القسمة. وبعد السيجارة صعدت متمهلا جسر شبرا، ووقفت بجانب محطة المترو. وما مرت دقائق حتى شعرت بمركبتي تهتز قليلا، فالتفتّ وإذا (بآنسة) أمرتني بالسير قليلا إن اكتنفنا الظلام تحت ظل شجرة، وأمرتني بالتوقف.

ثم أتى شاب اقترب منا متمهلا وبيده سبحة كهرمان (واخد بالك) آل يعني خارج من تراويح لتراويح وقفز بجانبها وبصوت الأمر الصادر من إرادته الكريمة بالذهاب إلى الجزيرة. ووقفنا قليلا لتأدية واجب الزيارة (للبار) الصغير بجانب سميراميس ثم سرنا على بركة الله.

ورنت القبلة الأولى في أول تحويدة بعد الكوبري، ثم ألحقت بتنهيدة خرجت من قلب ستي لخبطت كياني، فأسرعت الخيل.

فقال لي جنابه: على مهلك يسطى إحنا مش مستعجلين.
_العارف لا يعرف يا بيه. هي بس الخيل جامدة شوية ومش على بعضها. آه. فتهامسا وضحكا ورنت القبلة الثانية، فقلت في نفسي:

قسمتك يا أبو محمود. واللي مكتوب على الجبين تسمعه الودان! وقضا أخف من قضا.

 

ويستمر مضيفنا الأسطى (حنفي) في سرد مواقفه التي لم يتحملها بئر أسراره فقرر أن يشركنا معه فيها من أجل وضع أيدينا على الأمراض التي أصابت مجتمعنا، فيخبرنا عما كان يراه في أيام المظاهرات، فيقول:

 

على ذكر المظاهرات، لقد شاهدت عيناي أيها القارئ فصولا وروايات تكاد تشبه ألف ليلة وليلة. فكنت أرى بعيني إشارات المواعيد بينه وبينها والمظاهرات في (حموها) أو تبادل الابتسامات أثناء مرور جنازة شهيد من الشهداء!

وكما حملت عربتي بين الهرج والمرج والصياح زبونًا من المنادين (بالاستقلال التام) إلى ميعاد بينه وبين (وليفة وطنية) فنسير إلى خارج البلد من أجل كي الغرام والنوح والألم والبعد على حساب القضية المحترمة. ويقضيان على المبدأ القائل (ساعة لقلبك وساعة لربك وساعة للوطن).

 

ويتذكر الأسطى حنفي ذلك الموقف الذي مر به أثناء سفر الوفد المصري لأول مرة والقاهرة قد خرجت من بيوتها مجموعات مختلفة من السيدات والعذارى والعيال والبنات وخلافه. وتصور محسوبك بعربتي في وسط هذا الخليط من أوتوموبيلات وعربات ملاكي ومعي عائلة مكونة من أربع أنفار (من الجنس اللطيف طبعا) والعلم المصري يرفرف علينا ونحن نسير ببطء بين هتافات متواصلة.

ثم ابتدأت الإشارات والابتسامات اللاسلكية بين شاب من الشباب المجاهد وإحدى زبائني. ورأيته يقترب بسرعة البرق حتى صار بجانب عربتي وانتهز فرصة مرور مظاهرة أخرى، وفي أثناء الهتاف الذي كان يصم الآذان، كان (الشاطر محمد) ينادي مع الهاتفين بصوت عالٍ. ويتكلم مع ست الحسن والجمال بصوت منخفض بالشكل الآتي:

– ليحي الاستقلال التام – عاوز أكلمك عاوز أشوفك

– لتحي السيدة المصرية – كلمني على التلفون

– ليحي الوفد المصري – نمرة التليفون كام

ويظهر أن الوالدة انتبهت أن هناك مظاهرة أخرى بجانبها فانقطع تبادل الحديث.

ثم سمعتُ الآنسة تقول بكل بساطة لشقيقتها:

– الله شوفي يا أبلة نمرة العربجي زي نمرة تليفونا بس بدل الخمسة تلاتة.

 

وبهذه الطريقة نظر صاحبنا إلى نمرتي وأبدل الخمسة ثلاثة بالطبع، وانتهت مهمته. فقلت في نفسي: الحق مش عليّ، الحق على المحافظة اللي جابتلي تهمة مش نمرة.

 

وفي هذا السياق يقص علينا الأسطى حنفي الكثير والكثير من المواقف المضحكة المبكية على أحوالنا.

 

ولنا عودة في الجزء الثالث والأخير من قراءة في مذكرات (عربجي).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد