وفي نهاية آخر جزء من سلسلة فلاش باك، وصلنا والحمد لله إلى مبتغانا ،إلى التذكير بما مضى (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، وكما يقول المثل البلدي “من فات قديمه تاه ” وحتى نخرج من حالة التيه تلك وجب علينا مراجعة التاريخ ونعالج النسيان “آفة حارتنا” بالتذكير والتعلم من أخطاء غيرنا، ولا نصبح مثل من (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْم) ودفن رأسه في الرمال حتى لا يرى
أمراض مجتمعنا.

فعسى أن تصل تلك المقالات لأيدي أحد أبنائنا فيمسك بها ويقرؤها فتدفعه إلى تغيير الواقع ولو قيد أنملة، ولربما يقرؤها فيفرح لأن واقعه قد تغير عما نعيشه الآن.

ونعود مرة أخرى إلى موضوعنا وقراءة ملاحظات الأسطى حنفي أبو محمود العربجي في مذكراته التي نشرت في عام 1922 في مجلة الكشكول، وينتقد فيها بشكل ساخر لاذع في بعض الأحيان التدني الأخلاقي والسياسي في المجتمع المصري.

وقد تناولنا في الجزءين السابقين بعضًا من مواقفه مع بعض الزبائن الانتهازيين متسلقي الثورات مثل (أحمد بك الشيخ). ونعود
مرة أخرى إلى مواقف الأسطى حنفي التي لا تخلو من السخرية والكوميديا، ولكن هذه المرة يرصد لنا تجربته مع أحد زبائنه (الكييفة) فيقول:

كان زبوني في أيام مجده وطنطته. زبون العز والليالي (المقندلة) الهيصة كانت للرقبة. توصيلات آخر الليل إلى الدقي (لرشف الأنفاس) وينتظره ثم يعود به إلى منزله فيدفع الأجرة بسعة ورخاء، إلى أن تدهورت الأحوال وبانت لبتها ووصلنا إلى “مرحلة يبقى لك” و”لك كام عندي” و”هات ريال ويبقوا تلاتة جنيه”، و”فوت عليه بكرة”.

وحتى لا يطول علينا الأسطى حنفي فقد أخذ من زبونه الجاكتة بدلا من دينه بعد ما أضاع زبونه أمواله على الأنفاس، وسبحان الحي الباقي.

ويعود الأسطى حنفي مرة أخرى إلى حال أهل السياسة في حاضره، ولم يقصد بها ثورة 25 يناير (لا سمح الله) ولكن التاريخ يعيد نفسه. فيقول: نعم طالما سمعت من المعجب المطرب أول يوم كانت الأمة كتلة واحدة أعجب باتحادها العالم، ورددت صحف أوروبا أخبار الخيبة التي قوبلت بها لجنة ملنر وكيف.

وثانيا يوم ابتدأنا نسمع اللهجة الجديدة، أوائل بشائر الخيبة، هذا سعدي وذلك عدلي، وحضرته ثروتي وتدفقت الأمواج السياسية من هذه الفتحات فأصابتنا في مقتل، ونلنا من أنفسنا أكثر مما نال الأعداء منا. سعد باشا سيدنا ورئيسنا وعدلي باشا تاج رئيسنا، ولكن ما نطلبه أن تنتهي الحالة التي نحن فيها الآن.

الحالة التي لا ترضي أحدًا و زهق منها الجميع على يد أحدهما أو كليهما.

تريدون مني أن أتحدث في السياسة فاسمعوا رأيي، رأي العربجي الذي لا يعرف “أونطة” السياسة وخوازيقها. إذا وجد في خط من الخطوط (البغالة مثلا) فتوتين يعاكس كل منهم الآخر كان من السهل جدا على خط آخر (الحطابة مثلا ) التغلب عليهما متفرقين. فالمركب لها رئيس واحد، وينصاع لرأي الأغلبية، فلا يمكن أن يتكبر بعدد (صبيانه) ولا يغتر (بمتشدديه).

وكما قلنا في السابق أن من فات قديمه تاه، وأن طبعنا يغلب التذكر، وحتى يعلم كل شخص منا أن شخصيته تتكرر، فقط الأسماء هي ما يتغير، فيقوم كل منهم بكتابة تاريخه؛ حتى هذا اليوم يبقى الوضع كما هو عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد