يؤمن بعض الناس إيمانًا قويًا بفكرة الأرض المسطحة، بل أن هناك جمعيات ومجموعات تشكلت في الشرق والغرب كل همها الترويج لهذه الفكرة على اعتبار أن وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) تضلل الناس بنشرها الفيديوهات والصور المفبركة عن دائرية الأرض.

أصحاب نظرية الأرض المسطحة يعتقدون أن (ناسا) تحارب الأديان وما هي إلا أداة في يد الماسونية العالمية والحكومة السرية التي تسير شؤون هذا الكوكب!

النظرية التي تقول بأن الأرض مسطحة تبناها أشخاص من مختلف الأديان! على سبيل المثال فإن المؤمنين بهذه النظرية من المسلمين يرون أن الأرض المسطحة حقيقة وردت في أكثر من آية في القرآن الكريم وكل ما تفعله ناسا هو محاولات لتغييب هذه الحقيقة لأسباب كثيرة منها -كما قلنا- تشكيك الناس بكتابهم المقدس ولأهداف شيطانية منها ما هو معلن ومنها ما هو غير معلن.

لن أسرد في هذا المقال الدلائل والحجج على كروية الأرض فهنالك ملايين المقالات والفيديوهات التي تناولت الأمر بالبحث والتفصيل، ولن أتحدث عن إجماع علماء الأمة المعتبرين قديمًا وحديثًا على كروية الأرض من خلال فهمهم لنصوص القرآن التي تحدثت عن الأرض مع ملاحظة أن هؤلاء العلماء كابن حزم وابن تيمية والطاهر بن عاشور وغيرهم الكثير تبنوا نظرية الأرض الدائرية قبل أن تخترع الوسائل والأجهزة الحديثة في علم الفلك وقبل أن توجد وكالة ناسا أصلا!

هذا المقال لمناقشة فكرة واحدة يعتمد عليها أصحاب نظرية الأرض المسطحة من المسلمين، هذه الفكرة مبنية على فهم لغوي وعلمي خاطئ لآيات قرآنية وردت في عدة مواضع كما في الآية رقم (19) من سورة الحجر (والأرض مددناها) وكما في الآية رقم (20) من سورة الغاشية (وإلى الأرض كيف سطحت) حيث يطير أصحاب النظرية فرحًا بهذه الآيات باعتبارها دليلًا واضحًا لا يقبل الشك والتأويل… الأرض مسطحة والقرآن يشهد على ذلك!

لو قمنا بوضع نملة على كرة كبيرة مساحة قطرها 20 مترًا وقمنا برسم خط مستقيم (افتراضي) من عين النملة و(مد) هذا الخط عدة مترات، كل ما تراه النملة سيكون مساحة مسطحة وممدودة ولن ترى النملة دائرية الكرة وهذا كله بسبب (النسبية) في الحجم! حجم النملة صغير وامتداد الكرة (الدائرية) كبير ولن تراه النملة إلا مسطحًا ممدودًا. هذا يشبه تمامًا موضع الإنسان ضئيل الحجم مقارنة بحجم الكرة الأرضية فهذا الحجم الضئيل سيجعله يراها مسطحة ولن يراها من موقعه فوق سطحها أنها دائرية لأن ذلك مستحيل بصريًا!

في سورة الغاشية كان الخطاب للناس باستخدام عبارة (أفلا ينظرون) والمقصود هنا النظر الحقيقي بالبصر أولًا لأن الظواهر الأربعة التي لفت القرآن نظر الناس إليها ظواهر (مرئية) لأنها توجد في البيئة المحيطة بالإنسان ويمكن لبصره أن يدركها، يقول تعالى في سورة الغاشية: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت) الإبل والسماء والجبال والأرض كلها في مدى نظر الإنسان، الملاحظة البصرية لهذه المخلوقات بلا شك ستقود إلى التفكر والتأمل لأن هذين الفعلين لا يمكن أن يحدثا إلا إذا كان هناك مدخل بصري باستخدام حاسة البصر الحقيقية وبالتالي فإن كلمة ( سطحت) تتعلق بما يراه الرائي أمامه ولا يمكن حملها على التفسير الآخر وهو أن الأرض مسطحة.

الأرض بالفعل مسطحة لأي ناظر بعينيه، هذا التسطيح مناسب لكل من يعيش على (سطح) الأرض حتى تستقيم الحياة، تخيل جدلًا لو أن حجم الكرة الأرضية التي تعيش عليها بحجم منطاد هوائي وأنت تعيش فوق (سطح) هذا المنطاد بحجمك الحقيقي فهل تستطيع العيش على سطح هذا المنطاد بسهولة ويسر؟ ستتحول بلا شك إلى لاعب (سيرك) يؤدي حركات بهلوانية ولن تستطيع التكيف مع هذه الدائرة. وقوفك على (سطح) المنطاد لا يعني أن المنطاد مسطح!! وبالمثل فإن إبحار السفينة فوق (سطح) الماء لا يعني أن البحار مسطحة! كل ما في الأمر أن حجم الإنسان الضئيل وحجم السفينة الضئيل يمنعك من رؤية دائرية الأرض ولأننا ننظر بشكل أفقي والأشعة الصادرة من الأجسام التي نراها تسير في خطوط مستقيمة لا منحنية! ألم تر أننا نستخدم كلمة (سطح) لأي حجم يمكن الوقوف عليه بغض النظر عن شكله؟

من معاني كلمة (سطح) في اللغة العربية ظاهر الشيء، أي ما يظهر منه عندما تنظر إليه ولا يعني حقيقته، وسطح الأرض يعني ما يظهر لنا منها بالنظر وعليه فإن كلمة (سطحت) في الآية الكريمة تعني الامتداد الظاهر من الأرض حينما ينظر إليها من يقف فوقها.

اللغة والمنطق والعلم يقولون بكروية الأرض، من يعتمد على فهم (سطحي) لمدلول الآيات القرآنية حتى يدافع عن نظرية هشة عليه أن (يتفقه) باللغة أكثر وأكثر كي يستقيم فهمه لمعاني ومقاصد القرآن الكريم، ففهم القرآن لا يمكن أن يتأتى لإنسان ليس له نصيب وافر من اللغة العربية التي نزل بها القرآن. لو كانت الآية التي طلبت من هؤلاء القوم الذين يعيشون في صحراء ممتدة ومنبسطة أن (ينظروا بأعينهم) إلى الأرض كيف (كورت) أو (دورت) بدلًا عن (سطحت) لأصابهم الشك ولحدثت البلبلة بينهم لأن ما يستطيعون رؤيته بالنظر ليس إلا أرضًا (ممتدة) تناسب عيشهم فوق (سطحها)!

الغريب أن المسطحين يستطيعون أن يروا دائرية القمر والشمس بأعينهم المجردة وإن قدر لهم أن يستخدموا تلسكوبًا حديثًا فإنهم يستطيعون رؤية دائرية الكواكب القريبة فلماذا إذا ستكون الأرض شاذة عن هذا الرسم الرباني المنسجم والمتناسق؟ ولماذا الأرض هي الكوكب الوحيد المسطح في عالم من الدوائر؟

(نظرية المؤامرة) بلا شك نظرية مرهقة لكل من يتبناها في تفسير كل ما يراه من ظواهر وأحداث لأنه لن يقبل بالمنطق وسيضطر في أحيان كثيرة لمخالفة الحقائق العلمية الثابتة وسيظل يعيش في دوامة من التحليلات والاستنتاجات لأنه سيظل يعتقد أنه مستهدف كفرد وكمجموع وعليه أن يخالف كل ما يراه حتى يصل إلى حقيقة يظنها غائبة عنه وعن الجميع، لن يطمئن قلب هذا الشخص حتى يكتشف ما يعتقد أنها حقائق مخفية.

لعل أكبر (مؤامرة) نمارسها بحق عقولنا هو أن ننظر إلى كل ما يحدث حولنا (بعقلية المؤامرة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد