عرفت الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي خلال 130 عامًا نضالًا سياسيًّا، وثقافيًّا، ودينيًّا، وعسكريًّا؛ فقد نشأت عدة حركات وأحزاب سياسية، تعددت أهدافها من المساواة في الحقوق، إلى التحرر من الاستبداد، وذلك قبل اندلاع الثورة سنة 1954، تاريخ توحدت فيه الصفوف والآراء والطموح، بالرغم من اختلاف توجهات القادة، فانبثق عن ذلك تأسيس حزب جبهة التحرير الوطني، الذي أصبح الحزب الوحيد والممثل الشرعي للجزائريين في نضالهم السياسي، على الصعيدين الداخلي والخارجي، والمؤطر للكفاح العسكري بإنشاء جيش التحرير الوطني؛ فقد كان الحزب المعادلة الصعبة خلال المفاوضات مع الحكومة الفرنسية، فبفضل حنكة ودهاء قادته آنذاك، أجبر المستعمر على الرضوخ لمطالب الشعب، الرامية للاستقلال.

وواصل حزب جبهة التحرير الوطني، أو ما يعرف بالأفلان FLN، مسيرة البناء بعد استقلال الجزائر سنة 1962؛ فقد تقلد مؤسسوه وأعضاؤه مراتب عليا في الدولة، من رئيس جمهورية، إلى وزراء، إلى مسؤولين سامين في السلطة، وبذلك أصبح الحزب الحاكم للدولة بلا منازع طيلة 26 عامًا، وبتاريخ 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988 ثار الشعب في وجه السلطة مطالبًا بالتعددية الحزبية والإعلامية، ورافضًا للسياسة المنتهجة من طرف الحزب، فوقع ما وقع من أحداث دامية وأعمال شغب في كل القطر الجزائري، فاشتد الضغط على الحكومة آنذاك، وسارعت لاحتواء الأزمة باتخاذ حزمة من الإصلاحات، من بينها السماح بتأسيس الأحزاب والجمعيات.

وعلى إثر ذلك انفجرت الساحة السياسية ببروز العديد من الحركات والأحزاب بكل الأطياف، من إسلامية إلى اشتراكية وعلمانية إلى غير ذلك، فتنفس الشعب الصعداء بتشكيل هذه الحركات، التي أعطت فسيفساء متنوعة من الأفكار، تعكس الديمقراطية في تسيير البلاد، غير أنه سرعان ما تبخرت بإلغاء المسار الانتخابي سنة 1992، وإزاحة الإسلاميين من الحكم، وفي خضم هذه التراكمات السياسية وما أسفرت عنه من عشرية دموية سوداء، عاد حزب الأفلان من جديد إلى الحكم ممسكًا السلطة بقبضة حديدية هذه المرة، بالرغم من وجود أحزاب معارضة غير ندية في الواقع، فهو يشكل الأغلبية في التمثيل البرلماني بغرفتيه منذ أكثر من ثلاث عقود، فكان يفوز في كل الاستحقاقات الانتخابية، وبالأغلبية الساحقة في بعض الأحيان.

بالرغم من تجذر حزب الأفلان في الدولة بجميع مستوياتها، فإنه لم يسلم من بعض الصراعات والانقسامات ما بين أعضائه، إذ شهد عدم استقرار على مستوى رأس الحزب، فقد تناوب على القيادة عدة أمناء عامين بفعل الإقالات وتصفية الحسابات، كما عرفت الانتخابات التشريعية الأخيرة فوضى عارمة على مستوى أغلب القسمات والمحافظات، وتجلى الخلاف آنذاك في اعتماد القوائم النهائية لخوض غمار الانتخابات، وذلك بالتحاق أصحاب المال بالحياة السياسية من بوابة الحزب، فأقصي الشباب من العملية السياسية، الأمر الذي جعله يفقد الثقة في حكومته.

إن المتتبع للصدامات التي وقعت داخل حزب جبهة التحرير الوطني في الآونة الأخيرة، بغلق مبنى المجلس الشعبي الوطني، وطرد رئيسه، وتنحيته عنوة، واستقالة الأمين العام للحزب، أو إقالته كما يشاع، وترشيح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة للعهدة الخامسة خلال التجمعات الشعبية، وفضيحة ما يعرف بأصحاب «الكاشير»، بالإضافة إلى تهم الفساد التي طالت بعض المسؤولين، كل هذه المؤشرات أضرت بشعبية الحزب كثيرًا، فتعالت الأصوات خلال الحراك الشعبي مطالبة برحيله من الوسط السياسي وإحالته على المتحف، لكن سرعان ما صحح مساره وأعلن مساندته للحراك، واتخذ عدة إجراءات، منها انتخاب أمين عام جديد له، لكن يبقى السؤال المطروح: كيف سيواجه الأفلان شعارات «يتنحاو ﭫاع» و«ديـﭫاج» وما خططه البديلة؟ خاصة مع عودة الوجوه القديمة نفسها للقيادة؟ وكيف سيقنع الشباب بأنه يومًا ما سيسلم له الحكم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات