كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول العجز الاقتصادي الذي تعيشه بلادنا في ظل تواصل عجز الميزان التجاري وانزلاق الدينار إلى مستويات غير مسبوقة، فضلًا عن ارتفاع نسبة التضخم؛ مما جعل الكثير من الاقتصاديين أو خبراء المال و الأعمال يطرحون إمكانية التوجه نحو تعويم أو تحرير العملة الوطنية سعيًا إلى إيجاد الوصفة السحرية الكفيلة بإنقاذ الاقتصاد التونسي الذي لم يتعاف منذ سنوات. إذ يرى مراقبون للشأن الاقتصادي أن اتخاذ هذه الخطوة غير مضمون العواقب، لا سيما في هذا الظرف الهش الذي تعيشه تونس فضلًا عن التقلبات الحاصلة على المستويين الإقليمي والدولي.

في هذا السياق يتنزل هذا المقال الذي نحاول من خلاله التطرق إلى بعض الفرضيات المطروحة فيما يتعلق بمسألة تعويم الدينار، إضافة إلى تلخيص بعض النتائج المترتبة عن مثل هذه المبادرات.

ينبغي التذكير بأن تعويم العملة ليس مجرد إجراء وليد لليوم، وإنما هو تمشي معمول به في أروقة السياسة النقدية والاقتصادية للدول. تقوم هذه الآلية على جعل سعر الصرف الخاص بالعملة محررًا بالكامل. بعبارة أخرى يتم فتح المجال أمام قوانين العرض والطلب بالسوق النقدية قصد تحديد قيمة العملة ومعادلتها مقارنة بالعملات الأخرى.

يرى مناهضو فكرة التعويم أن هذه المبادرة لن تحقق التعافي المنشود بالنظر إلى عدة اعتبارات. من بينها وجود دول سبقتنا في هذا المضمار، ولم تنجح في إعادة التوازن لاقتصادها، بالرغم من توفر مقومات النجاح على غرار أذربيجان وأندونيسيا. فقد ادى تحرير العملة الوطنية في هذين الدولتين إلى انخرام التوازن الاقتصادي؛ مما دفع رؤوس الأموال الى المغادرة، بدلًا عن الاستثمار في بلدانهم.

علاوة على ذلك، فإن تحرير العملة من شأنه أن يزيد من لهيب الأسعار مقابل انخفاض الواردات مما يهدد المقدرة الشرائية للمواطن الذي لم يعد قادرًا على تلبية احتياجاته اليومية. كما قد يضطر البعض الى الاقتراض مما يعمق من معدل التداين والارتهان.

ولا يفوتنا في هذا الصدد التذكير بأن ارتفاع الأسعار نتيجة اعتماد أنظمة سعر الصرف المحرر لا يتزامن وجوبًا مع الزيادة في الأجور؛ مما يجعل المواطن في موقف لا يحسد عليه. فالثورة لم تزد الثري إلى المزيد من الثراء والترف، أما الفقير فلم ينل إلا الفقر والتهميش والمزيد من الوعود الزائفة.

تعويم العملة: ضرورة أم خيار؟

في المقابل، يرى كثيرون أن فكرة تحرير العملة الوطنية ليس خيارًا بقدر ما هو اضطرار حتمية الوضع الراهن للبلاد؛ إذ لا مفر من إطلاق برنامج إنقاذ وطني شامل يتكون من مجموعة من الإجراءات الموجعة بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

فالصناديق المالية العالمية تحكم سيطرتها على اقتصادياتنا العربية؛ مما يجعلنا نخضع لإملاءاتها الموغلة في الانتهازية، فضلًا عن انعكاساتها السلبية على العلاقات الاجتماعية والتماسك الأسري بالخصوص.

فالوضع الحالي يقتضي ضخ دماء جديدة في الاقتصاد الوطني. وذلك لا يتم إلا من خلال تحرير العملة الذي سيمنحها قيمة تنافسية عالية تمكنها من كسب مصداقية في المعاملات الاقتصادية الخارجية، فضلًا عن دور اجراءات من هذا القبيل في جذب الاستثمارات الأجنبية ودفع عجلة التنمية. إضافة إلى ذلك فإن المناصرين لفكرة تعويم العملة يرون في ذلك استقطابًا للمزيد من المستثمرين مع زيادة للصادرات؛ مما يساهم في تعزيز رصيد الدولة من العملة الصعبة، وبالتالي يرفع من احتياطي البلاد من النقد الأجنبي.

كما أن ترك عوامل العرض والطلب تتحكم في السوق من شأنه أن يحد من السوق السوداء التي تتمعش من الأزمات وتزدهر خاصة بالدول ذات الاقتصاديات الضعيفة. إذ لن يجد تجار السوق السوداء أسعارًا متعددة للعملة الأجنبية؛ مما يقطع الطريق أمام كل من تسول له نفسه أن يقتات من هذه المصادر غير القانونية.

بصرف النظر عما إذا كان تعويم العملة أمرًا مفيدًا وناجعًا من عدمه، تبقى المعضلة الحقيقية في وجود مشاكل هيكلية صلب الاقتصاد مما يستوجب العمل معًا من أجل إيجاد حلول جذرية توقف نزيف الاقتصاد التونسي العليل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد