في النظام الاقتصادي العالمي، هناك مصطلح متداول عن وجود عملة عائمة، وهذه العملة العائمة ليس لها رصيد معادل من الذهب؛ مما يجعل أسعار صرفها متقلبة ومتغيرة باستمرار، متأثرة بالعرض والطلب، وأحيانًا بمزاجيات التجار والمنفذين.

كما هو حال هذه العملة العائمة، هناك كلمات عائمة أيضًا ليس لها رصيد من المصداقية والثبات، وهي تخضع لسيطرة تجار هذه الكلمات، من خلال خلقهم للعرض والطلب، باتباع أساليب التسويق، والتي تعزز الحاجة إلى استهلاك مثل هذه الكلمات باستمرار، ورغم وجود عيوب وأضرار فيها، إلا إنها مثل السلع التجارية لا يمكن الاستغناء عنها أو تبديلها.

الحرية

على رأس هذه الكلمات العائمة، تجلس على كرسي الصدارة كلمة «الحرية»، والتي وفقًا لمبدأ العرض والطلب فإنها مطلوبة بشكل كبير في أوساط المجتمع، ومن خلالها استطاعت الدول المسيطرة على تعويم هذه الكلمة من فرض هيمنتها على الدول التي تداولتها بعفوية مطلقة؛ بسبب تذبذب قيمتها بين الربح الفاحش والخسارة الفادحة.

من نتائج هذه الكلمة قيام الثورات، والانقلابات العسكرية، ونشوب الحروب الأهلية، وانقسام البلدان، والأكثر غرابة أن هذه البلدان كانت مخدرة كليًّا، وهي تتسارع إلى دفع الأموال من أجل شراء السلاح والطعام من البلدان التي هي أحد أسباب ضعفها واقتتالها، فالحرية جعلت الهند تنقسم إلى دولتين لتنشق من البلد الأم الباكستان، وكذلك الكوريتين الشمالية والجنوبية، وكان ثمن هذه الحرية إراقة ملايين الأرواح في تجارة كان الرابح فيها صاحب الكلمة العائمة، والذي باع السلاح، ومن ثم استثمر الأرض، ليستعبد تلك الشعوب بطريقة أخرى تنافي ما تعبوا من أجله في سبيل السعي وراء الحرية العائمة.

أما شعبنا العربي فحدث ولا حرج، وهو يتخبط في غرفة المائة مرآة، لا يعرف إلى أين يتوجه؟ وكيف يصنع؟ ثورات ضد الاحتلال الأجنبي، ومن ثم انقلابات عسكرية تمخضت أخيرًا عن رؤساء وملوك وسلاطين وأمراء وشيوخ وأصحاب سعادة عملاء لمن كان محتلًا لأرضهم، ولم يتغير شيء بعد الجري وراء الحرية العائمة سوى الويلات، وكثرة المشاكل، والفشل المستمر في جميع القطاعات، ودفع الإتاوات إلى الدول العظمى وما خفي كان أعظم!

ولكن مسلسل الكلمة العائمة لم يتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى ركوب موجة جديدة، وهي الحديث عن الحرية الشخصية، والتي توسعت إلى أبعاد كبيرة وخطيرة في إفساد المجتمعات وانحطاطها، مثل التعري، والإباحية، والشذوذ، والتعاطي، والإدمان، وتشويه الوجوه بالوشوم وغيرها من الأفعال، كل ذلك كان يرتكز على كلمة عائمة لا وزن لها ولا رصيد جعلت من شبابنا لعبة بيد القوى العالمية التي تهيمن على اقتصاديات وسياسات العالم، حيث هي من يروج، وهي من يصنع، وهي من يبيع، وشبابنا المستهلك الأكبر، والخاسر الأول في هذه المسرحية العالمية.

الديمقراطية

ومن أجل الاستمرار في مسيرة الاحتلال، والتدخل في شئون الآخرين، استخدمت الدول العظمى كلمتها العائمة الثانية، وهي الديمقراطية؛ حيث ستقف هذه الدول مع إرادة الشعوب المظلومة لتخلصهم من الاستبداد والدكتاتورية، وتنقلهم إلى أحد روافد التطور والازدهار عبر الديمقراطية، ولكنها لا تقل خطورة عن الحرية، حيث هي عائمة بقدرها، وسوقها في العرض والطلب محدود جدًّا، حيث المنافسة فيه تكمن بين دولتين واتجاهين عالميين وهما الشيوعية والرأسمالية.

أمريكا راعية الحرية والديمقراطية في العالم والمصدرة لها، لا تسمح بوجود مكتب للحزب الشيوعي أو الفكر الشيوعي في دولتها أو مؤسساتها، بل وهي تشن العداء المستمر لهذا الفكر السياسي والاقتصادي باستمرار، وهذا إن قيس على مقاييسهم في الحرية الشخصية، وحق المواطن في الاختيار فإنه مخالف لمفاهيمهم، وهو وجه من وجوه الدكتاتورية، التي يدعون زيفًا محاربتهم لها.

ما يحزن هو استمرارنا بالجري خلف العبارات التي تفتقد إلى الرصيد الكافي من المنطق والعقل، كما هو الحال في الخضوع للعملات العائمة والمتذبذبة مع تذبذب الأسواق، وما نحتاج إليه هو الاعتماد على الكلمات الرصينة، والتي تجنبنا الوقوع في مهالك التضخم في مشاكلنا الاجتماعية، وتحسن من مستوى الدخل الفكري للفرد، وتحمينا من تقلبات الدول وأطماعها.

والحمد لله رب العالمين!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد