لم تكتفِ الحكومة العراقية بتنفيذ التعليمات الإيرانية حرفيًّا في سياساتها الداخلية، والمبنية بالأساس على تغير طبيعة الدولة العراقية، من دولة عربية المنشأ، عراقية الطباع، موحدةً في عقيدتها، إلى دولة فارسية الطباع، صفوية المذهب، لا تمت للعروبة بصلة. بل وصل الحال بالعراق للمرحلة التي بدأت فيه حكومته بتبني الرؤية السياسة الإيرانية الخارجية بالكامل والانصهار فيها، فهي توالي من تواليه إيران، وتعادي من تعاديه.

حتى خرج علينا إبراهيم الجفري وزير الخارجية العراقي (الذي يحسب نفسه جهلًا إنه كذلك) ليوجه طلبًا رسميًّا للمملكة العربية السعودية، بضرورة استبدال سفيرها لدى بغداد بشخص آخر، متأملًا من ذلك، أن ترسل لهم السعودية من هو أقل رغبة من ثامر السبهان، بتصديع رؤوس الإيرانيين في الشأن العراقي.

وبنفس الوقت الذي تدعي إيران وحكومة العراق، بأن السفير السعودي ثامر السبهان يتدخل بالشأن العراقي من خلال تصريحاته المساندة لحقوق المظلومين من السنّة في العراق، تتدخل هي لتقوم باستقبال وفدًا يمنيًّا يمثل الحوثيين والرئيس المخلوع علي صالح، لكي تعترف بمجلسهم السياسي الذي شكلوه في صنعاء، لإضفاء الشرعية على انقلابهم في اليمن، وهو تصرف يعتبر تحديًا للشرعية الدولية، ومساندة بشكل صريح للانقلابين في اليمن، وتجاهلًا متعمدًا لكل القرارات الدولية التي تعتبر أن الذي قام به الحوثيون وعلي صالح في اليمن هو انقلاب على الشرعية. وهو بهذا التصرف يجعل الجعفري من العراق في مواجهة صريحة مع السعودية والتحالف العربي، بل بمواجهة الإرادة الدولية، كما ويعتبر موقفًا معاديًا لتوجهات السعودية التي تقاتل في اليمن مع التحالف العربي دعمًا للشرعية فيه.

إنَّ إيران تحاول جاهدة إبعاد العراق عن محيطه العربي، وهي تعرف أكثر من غيرها إنَّ من أهم الدول العربية حاليًا هي المملكة السعودية، فإذا نجحت بإبعاده عن السعودية، تكون قد نجحت في ابعاده عن كل العرب. ولكي تنجح في مساعيها تلك، لم تبق تهمة إلا وألصقتها بسفيرها العامل في بغداد، فجعلته المسؤول عن هجوم الأكراد الإيرانيين على قواتها في كردستان إيران، ووجهت له تُهم التحريض الطائفي في العراق، وأوعزت لميليشياتها بإطلاق التهديدات لقتله ليلًا ونهارًا.

لقد بقيت الدول العربية طيلة فترة احتلال العراق من قبل أمريكا، ثم من قبل إيران، تلتزم موقف الصمت إزاء ما يحدث فيه، إلى أن جاء السفير السعودي الحالي ثامر السبهان، لكي يحاول جادًا أن يرجع العراق لمحيطه العربي، وحاول أن يبني علاقات متميزة مع كل الأطراف السياسية في العراق، إلا إنَّ ما حبكت خيوطه إيران طيلة السنوات السابقة، ليس سهلًا على السبهان أن يفكّه في بضعه شهور، فلاقى الصد من الساسة عملاء إيران، أما السياسيون السنّة فلم ير منهم سوى التباكي عنده، وعتبهم عليه لغياب العرب طيلة تلك السنين. وحاول أن يقدم المساعدة للنازحين العراقيين في المخيمات التي تنتشر في صحاري العراق بعدما تخلت عنهم الحكومة العراقية لكن دون جدوى، ليبقوا تحت رحمة الإحسان الدولي الذي يأتي بالنزر القليل بسبب التشديدات الحكومية العراقية.

فيا ترى ما الذي ستفعله السعودية؟  إن استجابت لرغبة الخارجية العراقية وطلبات إيران باستبدال سفيرها، فهذا يعني إنَّ إيران استطاعت أن تروض السعودية سياسيًّا، وانتصرت عليها دبلوماسيًّا، وأبعدت العراق أكثر فأكثر عن محيطه العربي. أما إذا رفضت ذلك وسحبت سفيرها وطردت سفير العراق من أراضيها، وقطعت علاقاتها مع هذا الكيان المسمى بالحكومة العراقية، فهي بذلك تكون قد ساهمت في سحب المشروعية عن تلك الحكومة البائسة، وساهمت في تعجيل الخلاص للشعب العراقي من التبعية لإيران.

كان إرسال السعودية لسفيرها السبهان للعراق، ينطلق من إدراكها بضرورة التواجد العربي في العراق، وهو تفكير سليم، ولكنه مع الأسف جاء متأخرًا كثيرًا، كان الأولى لها أن تفكر بالتواجد الفعّال بالعراق في الوقت الذي احتلت فيه أمريكا العراق، للحيلولة دون تسليمه لغريمته إيران على طبق من ذهب.

لقد تخلت السعودية والدول العربية عن العراق، بل وساندت اعتداء أمريكا ودول الغرب على شعبه، وشاركت بإسقاط الدولة العراقية لترجعها لعقود إلى الوراء، فهل يا ترى الطريقة المثلى للتكفير عن ذنبها هذا، هو إقامة العلاقات الدبلوماسية مع بلد تحكمه إيران؟  بلد مسلوب الإرادة وفاقد للسيادة؟

لقد تأخرتم كثيرًا يا أبناء عمنا لكي تنجدوا أهلكم في العراق، فالعراق أصبح لقمة في فم إيران ليس من السهل عليكم أن تنتزعوه من أنيابها التي تمزق أوصاله كل يوم. وإن تصريحات السبهان النارية التي يريد أن ينصر بها أهل العراق من المظلومين العرب السنّة والشيعة، لم تعد تجدي نفعًا، بل وصل الأمر بالعرب، أنهم يُطردون من بغداد بأمر من طهران. وإذا لم تستجب الرياض لما تريده إيران، فإن مفخخات داعش جاهزة لقتل سفيرها، ومجرمي الميليشيات على أهبة الاستعداد لهدم السفارة على رأسه.

هل رأيتم إلى أين وصل بكم الحال أيها العرب؟ لم يعد لكم موضع تجلسون فيه في العراق، وأصبحت مضايف العراق تضيق عليكم بعدما كانت رحبة لكم جميعًا، هي الآن رحبة ليجلس فيها قاسم سليماني وأزلامه ومن على شاكلتهم.

لكن إن شئتم أخذ نصيحتي، فأقول لكم لم يفت الأوان على مد أيدكم لمعونة إخوانكم العرب في العراق، فبإمكانكم أن تساعدوهم على لم شتاتهم، ولستم متفضلين بذلك عليه، فهو دين في رقابكم، العراق الذي دافع نيابة عن كل العرب بدماء شبابه لكي لا يصل لبلدانكم خطر الصفويين وهجمتهم الصفراء القادمة من قم، ولكنكم قومًا تنسون وتنكرون، قد أعمتكم عداوتكم لصدام عن تضحيات الشعب العراقي لأجلكم، إن الذي كان يدافع عنكم وعن بيضة المسلمين والعرب لم يكن صدام، بل كان كل الشعب العراقي الذي هو الآن أسير بيد إيران، هل تتصورون خطورة الموقف وعمق مأساويته حين يكون شعب مؤلف من ثلاثين مليونًا يقع تحت الأسر الإيراني؟ هل يرضيكم أن تتغير عقيدة العرب المسلمين في العراق إلى العقيدة الصفوية، كما تحولت عقيدة إيران السنّية إلى عقيدة الشرك والصفوية من قبل؟

كم من التحذيرات تريدون لكي تفيقوا من الغفلة التي تعيشون بها؟ وأنتم ترون بأم أعينكم الطوق الإيراني رويدًا رويدًا يلتف حول رقابكم؟ بالأمس غرق العراق بسموم إيران، واليوم سوريا واليمن، ومن قبلهما جميعًا لبنان، ولا أظن أن الأردن بصامدة أمام المد الصفوي للمنطقة.

أم أنكم تراهنون على دول الخليج التي بجوارك؟ إحدى تلك الدول حين غزاها صدام، لم يتبق فيها سوى المقيمين، وغادرها فرارًا كل الأمراء والمأمورين، تركوا بلادهم لكي يحررها لهم الأمريكان، فأصبحوا لهم عبيدًا. أم إنَّ رهانك على من يبني معابد للسيخ في بلاده، ويسعى لشق اليمن إلى نصفين، ويدعم كل ديكتاتور شقي في بلداننا العربية؟ ويحارب المسلمين في كل بقعة بالعالم تصلها يديه؟ فإن كان ذلك رهانكم، فأبشروا بأن أقدام القرامطة الجدد سوف تدنس أرض الحجاز ونجد قريبًا لا محال، وسوف لن تجدوا مكانًا يأويكم، وسوف لن تنفعكم أموالكم التي اكتنزتموها وحرمتم منها المسلمين، لأنه سيأتيكم بغتة، ولات حين مهرب.

تلك نصيحتي لمن ألقى السمع وهو شهيد، الطوفان قادم من الشرق، فماذا أنتم فاعلون يأيها العرب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد