طوال أربعين سنة، تحت سقف كنيسة «سستين» بالفاتيكان، كان النَّحات والرسَّام الإيطالي المعروف مايكل آنجلو يستلقي على ظهره فوق سقَّالات شاهقة، يستخدم الجَصَّ الطري ليحول قصص الكتاب المقدس إلى رسومات بديعة على سقف الكنيسة.

تقول الكاتبة إيمي ستيدمان: «إن مجرد النظر إلى السقف لمدة عشر دقائق يؤلم الرأس والرقبة، إننا لنعجب كيف تمت قطعة واحدة من هذا العمل!».

كان آنجلو يستلقي هناك وحيدًا، يؤدي العمل كله دون مساعدةٍ من أحد، اللهم إلا ذاك الخيال الخصب المُتفجر الذي يتمتع به الفنانون المبدعون من أمثاله. كان يغيب عن العالم ويغيب عن نفسه، ويفقد شعوره بمرور الوقت، وينسى الوجود برُمَّته إلا لوحته الضخمة، فلا يأكل ولا يشرب ناسيًا أنه آدمي يحتاج إلى الأكل والشرب لكي يحيا، ويستمر في الرسم فقط.

قد يبدو الوصف مبالَغًا فيه قليلًا، وقد يبدو أننا نتحدث عن حالة من حالات الوجد الصوفي الذي يتوحَّد فيها المُحب مع محبوبه، ويغمره شعور عارم بالانتشاء، فيغيب وعيه عن الوجود. ولكنها في الحقيقة حالة شائعة بين العباقرة والمتميزين، أنت أيضًا تمر بها عند ممارسة هواياتك. وقد حكى عن تلك الحالة علماء وفنانون ورياضيون، كانت تواتيهم أثناء ممارستهم لما يحبون.

وقد تكون تلك الحالة الصوفية هي السبب في نبوغ هذه الشخصيات، يقول الأديب المصري سلامة موسى: «إنَّ من يرغب في شخصية بارزة، يحتاج قبل كل شيء إلى أن يمارس العمل الذي يهواه عن رغبة واستعداد، وهذه الرغبة تحُول دون التفاته إلى مشاغل أخرى، فيتعيَّن له الهدف الذي يجعل كل طاقته تنصَبُّ على بلوغه، وهو لأنه يرغب ويهوى سيتحمس، فتكون الإرادة النارية التي تؤدي إلى العزيمة والصبر والثبات والطموح، وكل هذه تؤدي إلى الغُلوّ، إلى الشخصية البارزة».

«ميهالي» ونظرية التدفق

وصف عالم النفس المجري «ميهالي تشكزنتميهالي» حالة آنجلو ومثيلاتها بـ«حالة التدفق-flow state»، وهي حالة ينخرط فيها الإنسان في أداء عمل ما، بحيث يندمج وعيه كليًّا بأداء هذا العمل، ويعطيه كل تركيزه وانتباهه. وفي المقابل، يفقد انتباهه إلى أي شيء آخر، حتى إنه ينشغل عن وعيه بذاته، ويفقد الإحساس بمرور الوقت.

ولكي ينغمس الإنسان في عملٍ ما بهذه الطريقة، لا بد أن يكون هذا العمل مقصودًا في حد ذاته «Autotelic»، بمعنى أن الإنسان لا يؤدي هذا العمل من أجل مآرب مادية أو حتى معنوية، بل ينخرط في العمل ويتفانى فيه دون أن ينتظر شيئًا من ورائه، ودون أن تدفعه إليه دوافع خارجية.

ورغم ذلك، فمن الضروري أيضًا أن يوفر العمل للإنسان ما يسمى بالتغذية الراجعة «immediate feedback»، والمقصود من ذلك أن يرى ثمار عمله ويتلذذ بها، ويشعر أن لعمله نتائج مفيدة، ويكون هذا الشعور دافِعًا له للاستمرار في أداء العمل.

ويؤدي هذا الاستغراق الشديد في أداء العمل إلى شعور قوي بالسعادة والرضا عن الذات، ويتملَّك الإنسانَ إحساسٌ بالانضباط والتحكم والاستقرار النفسي. والأهم من ذلك كله أن الفاعلية في أداء العمل تزداد، كما يزداد الإنجاز والتقدم، وتتحقق الأهداف في النهاية.

مصفوفة الاستغراق

هناك شرط آخر يجب أن يتوفر لدى الشخص لكي يكون قادرًا على الاستغراق في العمل، وهو ما سماه ميهالي بالخبرة المُثلى «optimal experience»، والمقصود منها أن يتصف الإنسان بالكفاءة لأداء العمل، وأن تؤهله مهاراته للشروع فيه، ولكن على العمل أيضًا أن يُشكِّل نوعًا من التحدي لتلك المهارات، وأن يقابل الشخص أثناء أدائه للعمل شيئًا من المقاومة. تعمل هذه المقاومة على زيادة التيقُّظ وبذل الجهد، ويقوم التحدي بدفع الملل، فينهمك الإنسان في أداء العمل ويستغرق فيه، ويبذل فيه قصارى جهده.

وإذا كانت كفاءة الشخص ومهارته مناسبة، والتحديات التي تواجهه قليلة، فإن ذلك يؤدي إلى التبلُّد والخمول واللادافعية، فلا يحدث الاستغراق.

وعلى العكس، إذا كانت التحديات والمصاعب تنهال عليك من كل جانب، بحيث تخرج العمل من نطاق مهاراتك وإمكانياتك، فإن ذلك يضعك تحت ضغط كبير يمنعك من الاستغراق أيضًا.

وتتحدد الخبرة المُثلى من خلال مصفوفة الاستغراق التي وضعها ميهالي، وهي تعتمد على المقابلة بين محورين رئيسيين؛ هما المهارة والتحدي. وكلما ازدادت المهارة ازدادت كفاءة الأداء، ولكن على حساب الدافعية والتيقظ، وكلما ازداد التحدي ازدادت الدافعية والتيقظ على حساب الكفاءة والفاعلية، والحالة المثلى تكون عند تماشي المحورين وتوازنهما، بحيث توجد التحديات ولكنها تكون على حدود القدرات أو داخل نطاقها.

لماذا يجب أن نستغرق وكيف؟

«إنني أستمر في الإبقاء على خيارات التكنولوجيا بعيدة عني  عند طرفي يدي، بحيث أستطيع تذكر من أنا بسهولة» *كفين كلي (المؤسس المشارك لمجلة وايرد)

وفَّرت لنا التكنولوجيا سيلًا جارفًا من الخيارات والإمكانات والنشاطات المتاحة، مما جعلنا مجموعة من الكائنات المُشتتة. وخصوصًا مواقع التواصل الاجتماعي التي تُشكل بطبيعة محتواها عائقًا كبيرًا أمام التركيز والانغماس في ممارسة معينة. حتى عندما يطلب الإنسان المتعة والترويح، فهو لا يختار عملًا واحدًا ينغمس في ممارسته من أجل المتعة، هواية على سبيل المثال، بل يقف حائرًا وسط حشود من هذه الممارسات، ويمر عليها سريعًا، دون أن يستغرق في أيٍّ منها. أثَّر هذا الشتات على نفسية الإنسان المعاصر كما أثَّر على أنشطته الحياتية المختلفة، وحرمه من الاستقرار الذي كان يواتي مايكل آنجلو وهو مستغرق في الرسم بالفريسكو، أو في نحت قوالب الرخام.

صارت أوقات الانغماس أوقاتًا عزيزة ونادرة، وصرنا في حاجة ماسة إليها، لنخفف من آلام التشتت الذي نعانيه بشدة في هذا العصر، وننعم بشيء من المتعة الكامنة في أعماق الأشياء، تلك الأعماق التي حرمنا التشتت من الوصول إليها.

وإليك بعض الإجراءات المُعِينة على الاستغراق :-

1- وضوح الأهداف: لا شك أن عدم تحديد الأهداف الواضحة والقابلة للتحقيق، سيمنع من حالة الاستغراق. ووجود هذه الأهداف في نطاق الخبرة المثلى التي تحدثنا عنها سابقًا، يؤدي إلى الانهماك في العمل عليها والانغماس فيها.

2- حشد التركيز والانتباه: تخلص من كل ما يمكنه صرف تركيزك عن العمل الذي تقوم به. في بعض الأحيان، تكون الأهداف واضحة ودافعة إلى الاستغراق، ولكن التشتت وضعف الانتباه والتركيز يمنعان من الانغماس.

3- الاستعداد النفسي: لا بأس أن تلجأ لبعض الاحتيال، فنفسك تُمارس ذلك عليك دائمًا. الكثير من الحواجز النفسية والمشاعر التي تحول بينك وبين البدء في الأعمال، وتدفعك إلى التسويف والمُماطلة، هي في الحقيقة خُدَع وتهويلات ليس إلا. عَقْلِن هذه المشاعر، وتجاهلها إذا استمرت في الإلحاح عليك بعد ذلك، وتخلص من الحواجز النفسية، واخترع دوافع مضادة تُسهل عليك البدء والاستغراق.

4- التغذية الراجعة: الشعور بالإنجاز والتقدم هو الوقود في رحلتك الاستغراقية، وهو الشيء الذي يدفعك للاستمرار في أداء العمل، ويُشعرك بالجَدوى والرضا عن الجهد المبذول. احرص على أن تكون على دراية بإنجازاتك وثمار جهدك، وضعها دائمًا في اعتبارك. وإذا وسوست إليك نفسك بأن تتوقف عن العمل أو أن تقوم بالتسويف أو التأجيل، فليس عليك إلا أن تقفز في زوبعة الإنجاز، ليس عليك إلا أن تدخل في سلسلة الإنجازات الصغيرة والمتراكمة التي ستنتهي بك إلى تحقيق الأهداف الكبيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد