إذا أردت أن تحكم على نجاح وصدق أية منظومة فلا تحتكم لأهدافها وشعاراتها فقط، سواء كانت ليبرالية أو اشتراكية أو حتى دينية، فربما تكون تلك الشعارات الرنانة الجميلة مثل الزهور الزاهية العطرة في حقل زرعه صاحبه بالألغام!

فكم من منظومات بدأت بصدق لتحقيق غايات عليا وأهداف نبيلة أريقت من أجلها الدماء وكانت التضحيات الجسام، حتى إذا ما تأهلت لأول اختبار إلهي في سنن التمكين هيأ الله لها أسباب الحُكم لتمارس شعارتها وتطبقها بشكل عملي مصغر، فإما أن تتأهل لما هو أكبر، أو أن تنزلق وتتمادى في انزلاقها إلى وادٍ سحيق ابتلع من قبلها دول وممالك حكمت الكون لقرون وأزمنة بلا منازع.

وقد جرت عادة تلك السنن بأن أصحاب الشعارات السامية والأهداف النبيلة يبتليهم الله في الفترة التي تسبق امتحان التمكين بشتى أنواع الظلم وصنوف العذاب الذي يعانونه شخصيً على يد شذاذ الآفاق وحثالات البشر، حتى يكونوا أعلم الناس بمذاق الظلم ومرارة الاستبداد والاضطهاد، وذلك لأن العدل والرحمة هما أساس التمكين والحكم.

حتى إذا كان الاختبار ووُضع ميزان السماء بمعايير العدل والرحمة تبدأ المكاييل والسلوكيات العملية بالتراكم في كفة هذا الميزان, وذلك في ظروف المحن والابتلاءات التي هي بمثابة الأرض الخصبة للصفاء والنقاء والورع, وبذلك يكون الامتحان في منتهى النزاهة والشفافية والمكاشفة, وذلك لأن مبتدأ الفتن والفجور والظلم يكون بالعادة بعد انفتاح الدنيا وتوفر الأسباب المادية والمعنوية لذلك!

وهنا طريقان لا ثالث لهما أمام تلك المنظومات، فإما أن تركز أنظارها على كفة هذا الميزان الإلهي، وبذلك تحافظ على إقامة العدل في أنفسها وبين رعيتها وتعالج بشكل فوري أي انحراف، ويكون مؤشر هذا الميزان هو المعيار الحقيقي الذي تحتكم إليه تلك المنظومات ولا تلتفت إلى أي معيار دونه.

وأما الطريق الآخر فهو طريق الانزلاق والتبديل من السمو إلى الانحطاط، وذلك بتحطيم ميزان العدل والرحمة وتنصيب ميزان التنظيم ومصالحه أو ميزان الشخص الحاكم الذي يتبع هواه، وبذلك تتبدل المعايير وإشارات الطريق، فتصبح مصلحة المنظومة ورؤوسها هي المحرك والموجه وما دونها هوامش، وبدلًا عن القياس على الدستور الأساسي والهدف السامي يصبح القياس على المصالح التنظيمية والمكاسب الآنية، وحينها تجد القاعدة التنظيمية نفسها منقادة خلف أصنام وأوهام ظنًا منها أنها على الطريق الأساسي الصحيح، ولم ينتبهوا إلى أن السلوك الفردي المشوه يتحول إلى منهج ولو بشكل غير مباشر، تمامًا كمن يتتبع إشارات الطريق الصحيحة، ولكن في طريق نهايته الزوال.

ثم إن الخطر الحقيقي هنا يكمن في أن رؤوس تلك المنظومة قد أوهموا قواعدهم بأن المعاني السامية والغايات العليا هي نفسها تلك المنظومة، وذلك باختزال الغاية في الوسيلة التي هي الحزب نفسه، فمثلًا تجد اليساري يختزل مبادئ وأهداف اليسار في حزبه والإسلامي يختزل روح الإسلام وتعاليمه في حزبه أو حتى في شخص معين، مثلما كانت الكنيسة في العصور الوسطى، حتى يمسي من ينتقد الحزب كأنه يرفض مبادئ الشيوعية أو تعاليم الإسلام نفسها!

وفي تلك الحالة البائسة المشوهة يصبح الانتقاد محرمًا والمطالبة بالمراجعة والمصارحة تساقط على الطريق، ويصبح التبرير الروتيني بأن المرحلة الراهنة لا تسمح بالانتقاد والمصارحة أو التفكيك والمراجعة، ومن أراد الانتقاد ولا بد فيجب أن يكون الأمر سرًا وفي أروقة خاصة فقط، وكأن الأمر يتعلق بذنوب الخلوات أو أسرار للمنظومة نفسها، وليس أمرًا عامًا علنيًا يجب أن يخضع للنزاهة والشفافية لأنه يتعلق بحقوق الناس وكرامتهم، فما كان يتعلق بحقوق الغير ومظالمهم يجب أن يكون الحساب أمام صاحب الحق نفسه.

وفي وطني العربي الكبير نجد أن تلك الحالة قد تجاوزت مرحلة الظاهرة لتصبح منهجًا وسلوكًا يستغله الكبار وتمارسه القواعد إما عن جهل أو عن تبعية عمياء دون بصيرة، حتى أصبحت تهمة الانحراف لصيقة بمن ينادي بتفكيك بعض الموروثات ومراجعتها وتصحيحها، بل ربما يصبح من المرجومين الضالين لأنه أضحى من المتفكرين أولي الألباب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك