ما كادت تمر أربع سنوات على بزوغ فجر”الربيع العربي” في بلادنا، حتى صبغت جميعًا باللون الأحمر. فأخيرًا، أنبت الربيع العربي في مصر وسوريا وليبيا واليمن والعراق ورودًا “حمراء” كثيرة: اللون لون الدم، والريحُ ريحُ المسك. منها ما قُطف، ومنها ما زال ينتظر، ومنها ما غُيّب عن ضوء الشمس في ظلمات السجون، وغياهب المنافي، ولكنها ما بدلت عهد الثورة تبديلًا.

ومنذ أول يوم كافح أعداء هذا الربيع، حتى لا يُنبت إلا لونًا واحدًا من الزهور: الأحمر، لون الدم. ومع ذلك، يجب علينا أن نفرح بتلك الزهور، لماذا؟

لأن هذه الزهور “الحمراء” قد خرجت من باطن أرض العرب السوداء الجدباء، فهي لم تُطق الحبس في الوحل والطين، الذي يعيش فيه العرب منذ عشرات السنين. ويالها من بُشرى!

فأجمل الأزهار: حمراء، ودماء الشهداء: حمراء، و”بذلة الإعدام” التي يرتديها الثوار: حمراء، والحرية نفسها: حمراء، كما وصفها أمير الشعراء بقوله: (وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ ** بِكُلِّ يَدٍ مُضـَرَّجَةٍ يُدَقُّ).

و”الدم الأحمر” هو العُملة الوحيدة المتداولة في سوق “الحرية الحمراء”، وبغيرها لا يجوز البيع ولا الشراء. فكيف لا نفرح، وقد رأينا الأحرار من أبناء وطننا العربي، قد قبلوا صفقة الحرية، ووقعوا عليها بدمائهم، ولا زالوا يدفعون أقساطها حتى اللحظة!

أما بعد، فإنه من الخطأ الجسيم أن نهتم فقط برصد نتائج الهجمة الشرسة التي تشنها الثورة المضادة في بلادنا، وننسى أن نرصد الحجم الهائل والضخم للثبات والتضحية التي تبذلها الثورة الحقيقية. وإذا كنا نؤمن بأن الأيام دُول، وأن هذه الجولة هي للثورة المضادة بامتياز، فإنني أزعم أن الثورة قد حققت في هذه الجولة نقاطًا كفيلة بأن تجعل الجولة القادمة لها. ولهذا شواهد أذكر بعضها:

دماء الحياة: حياة الثورة

أقول بكل ثقة ويقين: أن “اليأس” وحده هو الذي دفع بأعداء الشعوب للتورط في سفك الدماء. نعم، اليأس من أن يتخلى المؤمنون بالثورة عن فكرتهم، واليأس من أن ينسى جيل كامل حلم الثورة الجميل.

ولو رضي الثوار في مصر مثلًا – وعلى رأسهم الرئيس مرسي – بالتنازل عن مطالب الثورة والقبول بالأمر الواقع، لما لبسوا بذلة الإعدام الحمراء. ولذا فإن هذه “البذلة الحمراء” هي راية “اليأس” التي يرفعها أعداء الثورة، وما لجأوا إليها إلا بعد هزيمتهم أمام الفكرة. أما بالنسبة للثوار، فإن البذلة الحمراء هي “راية الخلود” لفكرة الثورة. وهنا يصدق قول سيد قطب: “ستظل كلماتنا عرائس من الشمع، لا روح فيها ولا حياة، حتى إذا متنا في سبيلها دبّت فيها الروح وكُتبت لها الحياة”.

وهكذا، فإن كل قطرة دم بُذلت في سبيل الثورة، هي حياة جديدة للثورة، وكل روح أُزهقت في سبيل الثورة، هي روح جديدة للثورة. فمن ذا الذي يستطيع أن يقتل ثورة أصبح لها آلاف الأرواح؟ ولن يتخيل أعداء الثورة مدى الأثر الذي تتركه “الدماء” على نفوس جيل الثورة، والأجيال التي تليه.

ولعلك تسأل: لماذا لا يضع ثوار سوريا أسلحتهم، رغم الخراب والدمار الذي حل بالبلاد والعباد، مع قلة حيلتهم، وتآمر الشرق والغرب على ثورتهم؟! إنها الدماء ياعزيزي، إنها الدماء!

بلوغ نقطة اللارجعة

إن ثمن الثورة باهظ ومكلف جدًا، ولو كانت الثورة عملًا سهلًا لقامت بها الشعوب كل يوم. ولقد ظل العرب أسرى حاجز الخوف لعشرات السنين. (لاحظ أن خوف الإخوان المسلمين في مصر مثلًا من دفع الثمن الباهظ للثورة، هو ما جعلهم يختارون المسار الإصلاحي على الخط الثوري في بداية الأمر).

إن الشعوب (وكذلك الأحزاب) لا تلجأ إلى الثورة مختارةً أبدًا، ولكنها تضطر إليها اضطرارًا. وتبلغ الثورة نقطة اللارجعة، عندما يفقد الثوار الأمل في إصلاح النظام، ويفقد النظام الأمل في عودتهم إلى بيت الطاعة. ومن سخرية القدر أن الذين يقنعون الشعوب بالثورة – غالبًا – هم حكامها القتلة والمستبدون، لأنهم يسدّون كل طرق التغيير أمامها، ويجعلون تكلفة الثورة أقل بكثير من تكلفة الاستبداد. وأظن أن هذه القناعة لم تكن يومًا أشد رسوخًا في القلوب، مما هي عليه الآن، خصوصًا بعد المجازر الوحشية التي ارتكبها أعداء الثورة.

قد تبين الرشد من الغي

هناك في بداية الثورات مرحلة من “التردد” بين المسار الثوري والإصلاحي، بدليل أن مطالب الثورة في البداية غالبًا ما تكون مطالب إصلاحية متواضعة (مثل تحسين ظروف المعيشة أو إقالة مسؤول فاسد). ولا تلجأ الشعوب للثورة، إلا إذا لم يتم تنفيذ هذه المطالب، أو عندما تكتشف أن تنفيذها مجرد خدعة. وقد كانت هذه المرحلة طويلة نسبيًا في مصر، نظرًا لبراعة النظام في التنازل التكتيكي، والذي تمثل في خلع رأس النظام، ثم إجراء انتخابات نزيهة، ولذا فقد استغرقت أكثر من عامين (الفترة ما بين خلع مبارك والانقلاب على مرسي).

وقد واكب الانقلاب على الرئيس مرسي، انقلابًا آخر على فكرة الإصلاح من داخل الأنظمة. وكان قرار مرسي بعدم الرضوخ لإرادة الثورة المضادة، هو نهاية “مرحلة التردد”، وحسم الأمر لصالح المسار الثوري. ولولا هذا القرار لما بقي للثورة أثرٌ في نفوس الثوار أنفسهم. ولكان الإخوان اليوم (وهم عمود ثورة يناير الفقري) في الفضائيات يتكلمون عن البرلمان وأسعار الخبز والأنابيب. أما الآن فهم منشغلون بالثورة، في أخطر أطوارها (طور الصمود والتضحية)، ويحافظون على شعلتها متقدة، حتى يأتي اليوم الذي تلتقي معهم باقي فصائل الثوار، لتستجمع الثورة قواها، وتعاود الضرب من جديد.

الوعي الذي بلغ درجة اليقين

يقول الفليسوف الإنجليزي الشهير فرنسيس بيكون: “إن المعرفة هي القوة”. ولقد أهدت الثورة المضادة إلى الثوار – من حيث لا تدري – سلاح المعرفة والوعي بأعدائها ومخططاتهم. وذلك حين كشفت كل أوراقها دفعة واحدة، ظنًا منها أنها قد حسمت المعركة لصالحها بالضربة القاضية.

والآن – بفضل الله – قد بلغ وعي الثوار درجة لم نشهد في تاريخنا مثلها، وما عادت تنطلي عليهم ألاعيب المخابرات، ولا دعاية أبواق الفضائيات، ولا نفاق بعض الشخصيات، ولا حيل أحزاب المخابرات.

هذه باقة من الزهور التي أنبتها الربيع العربي، وروتها دماء شهدائه، ولنا – بإذن الله – لقاء قريب مع باقة أخرى من تلك الزهور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد