الاتساق مع النفس والحياة سمة العقلاء، والاتساق مع البيئة والوسط المحيط سمة المتوازنين. أما غير ذلك فسمة المجانين والمختلِّين! لذلك نشعر بالخلل العظيم إذا أصابتنا «إنفلونزا الربيع»! ترشح أنوفُنا في الحرِّ بعد أن كان الرشح مرافقًا للبرد، وتحمرُّ عيونُنا في ضوء الشمس المبهر بعد أن كان ذلك الاحمرار حليفًا لظلال الغيوم. نسعل سعالًا مضاعفًا بين سُحب غبار الربيع بعد أن كان السُّعال متسقًا مع رطوبة الشتاء! هكذا إنفلونزا الربيع تُشعرنا بالسُّخف والاضطراب! لأنها شيءٌ دخيلٌ على الواقع، معلمٌ شاذٌّ في غير موضعه، ولونٌ صارخٌ دخيلٌ على الألوان المتآلفة المتناسقة! وهكذا هم العالمانيون في ثورات البلاد المسلمة! العلمانيون هم «إنفلونزا الربيع العربي»!

فبعد أن حرّضوا على «انقلاب 3 يوليو» وطالبوا الجيش بالعودة إلى الشوارع وخلع الرئيس الإخواني المنتخب، وبعد أن شاركوا بألسنتهم وأيديهم في حرق مقرّات حزب الإخوان، وبعد أن شاركوا في الحكم وقتلوا كل قتيل مسلم وشمتوا في كل قتيل مسلم قتله العسكر في 3 سنوات من الصراع الدامي لوّثت النيل بالأحمر القاني – أو ما تبقى من النيل الذي أضاعوه أيضًا مع ما أضاعوا -، وبعد كوارث اقتصادية خاضوها عالمين عنها وراضين بها رغبة مضحِّين في سبيل الشيطان لتطهير البلاد من الإسلاميين والإسلام وعودتها لصاحبات الرايات الحُمر وائدات البنات في السجون عابدات أصنام اللحم والدم! بعد كل ذلك يزعمون الآن أنهم ينزلون الميدان ضد العسكر في ثورة طاهرة ينبغي أن تخلو من الإسلاميين! خاصة الإخوان!

إنهم يريدون الدنيا ربيعًا، لكنهم لا يريدون الجو بديعًا. ذلك أن «بديع» هو مرشد الإخوان! وبصرف النظر عن أن شيخهم «صلاح جاهين» هو مبتدع أغنية «الدنيا ربيع والجو بديع قفِّل لي على كل المواضيع» المسماة أغنية «بمبي» فإن موقفهم هذا يذكرني بحقيقة الأغنية ذاتها! التي صاغها جاهين وشارك في صياغة فيلمها «خلٍّي بالك من زوزو» ليبث المخدر في نفوس الشعب المهزوم في 1967 حين طال عليه أمد الانتصار حتى 1972 ويخدِّره إرضاءً للشؤون المعنوية للقوات المسلّحة! حتى أن رفيقه «نجيب سرور» وقف تحت بيته وناداه مستنكرًا «بمبي يا صلاح!». حتى هذا العلماني الغيور «نجيب سرور» لا تستطيع أن تجد مثله بين طغمة الأوغاد عبيد العسكر الذين يصطادون في الماء العكر الآن رغبة في تسلُّق سُلَّم الحكم بعد أن كان د. مرسي قد (أخد السلم معاه فوق) كما كان يهذي السيسي في إحدى خُطبه العصماء، التي كثيرًا ما لا أسمعها في الخُلاصة إلا صراخًا أن (ماء.. مااء.. ماااااااء) في أحسن أحوالها وإلا فهي المادة الخام للنهيق!

والإشكال أن سيناريو سرقة الثورات هذا ليس جديدًا أبدًا! بل إنه هُرِسَ في 60 فيلمًا قبل ذلك! فهؤلاء العلمانيون يفهمون طبيعة الصراع بينهم وبين الإسلاميين جيدًا منذ أن قال «خالد محيي الدين» لأحد أقاربه الإخوان في سنة 1962 (جمال عبد الناصر قشرة وستزول والمعركة ستكون بيننا وبينكم) [إبراهيم منير، برنامج مراجعات، ح13]. وخالد محيي الدين هو رمز الشيوعية العربية والملّقب بـ «بيريا» على اسم وزير الداخلية السوفييتي السفّاح والحائز على جائزة «لينين» من الاتحاد السوفييتي! إنهم يُدركون منذ ستين سنة أن الرؤساء الطواغيت مجرد قشرة. ليسوا إلا أداة في يد الغرب والشرق يحركها ليحارب بها الإسلام ويعطي بها الفرصة تلو الفرصة لأذنابه الجاهليين الحقيقيين ليستأسدوا على الإسلام والمسلمين وينتفخوا ويصلِّبوا عضلاتهم ليذبحوهم عن آخرهم، فتصبح أوطاننا ملعبًا فارغًا خالصًا للغرب والشرق. كان عبد الناصر قشرة وزالت والسيسي أيضًا قشرة وستزول، وسيبقى الصراع بيننا وبينهم!

والشيوعيون أيضًا كانوا قد تحالفوا مع العسكر في السودان وجاؤوا للحكم على ظهور الدبابات بمساعدة «النميري» في ثورة صورية سُمِّيت بـ «حركة مايو 1969»، وحاربوا الإسلام والإسلاميين فثار عليهم الإخوان والمهديون وقاتلوهم في جزيرة «أبّا». فما لبث النظام المصري أن نسي هزيمته في 1967 وقام يكافح وينافح لكن ليس ضد إسرائيل بل ضد الإسلاميين! فأرسل بعثة عسكرية تساعد النميري والشيوعيين برئاسة «أنور السادات» والتي قصفت جزيرة أبّا فأحرقتها بمن عليها عن بكرة أبيها، وكان قائد سرب الطائرات التي ارتكبت تلك الجريمة والمجزرة هو «حسني مبارك» [حسن الترابي، برنامج مراجعات، ح2]! لتعلم أن السفَّاحين قتلة المسلمين يصيرون قادة العالم الإسلامي واحدًا بعد واحد. فلو نظرت في التسلسل القيادي لتلك المجزرة لوجدته ذاته هو سلسلة توريث الحكم العسكري في مصر: عبد الناصر ثم السادات ثم مبارك! مجرم وراء مجرم وراء مجرم!

هكذا الشيوعيون وسائر العلمانيين. إنهم مفلسون شعبيًّا، ضائعون أيديولوجيًّا، بلا خُطة إصلاح ولا خريطة عمل إلا ذبح الإسلاميين للوصول إلى السلطة! والآن يعيدون الكرّة بدعاوى استبعاد الإخوان والإسلاميين من الحِراك! سيناريو قديم مكشوف حامِض! تحدثت عن جِذره في مقالتي «اللِّي يِطَرْقَعْ مَا يُحسَبْش» وبيّنت سرعة قدومه في مقالتي «يونيو 2016.. مصر بين كارِثتيْن». وها هُم أسرع من عملنا لإفساد كيدهم، بل هم في الحقيقة أسرع عملًا من فهم البعض الذين لا يزالون يكذِّبون بسيناريو سرقة الثورة الذي صار حقيقة لا أدري هل تسبقها مقالتي هذه في النشر قبل وقوعها أم تسبق هي مقالتي!

لقد قدَّم الإسلاميون آلاف الشهداء وهُتكت أعراضهم وشرِّدوا هم وأبناؤهم، وجُفِّفت مصادر تمويلهم ومُحيت أحلامهم لأنفسهم وللناس وشُوِّهت صورتهم: طوال 64 سنة من حُكم العسكر. أو لنقل 64 سنة من حكم العلمانيين تحت ستار حكم العسكر! فهذه هي الحقيقة الواقعة! فالعالمانيون هؤلاء من شيوعيين وليبراليين وغيرهم، مهما اختلفت أسماؤهم وحركاتهم وصفاتهم وتفرَّعت من الجاهلية الجهلاء، إنهم هم الذين يحكمون على الحقيقة! يأتي العسكرُ فيضمنون لهم عدم وصول الإسلاميين للحكم أو يعينونهم بخلع الإسلاميين من الحكم ومن ثمَّ يسلمونهم مقاليد الاقتصاد والثقافة والإعلام والتعليم والسياسة بالطبع! ويقسمونها بينهم وبين الأقليات الدينية العنصرية الحاقدة التي ترى دومًا العلمانية خيرًا لها من الإسلام.

فماذا ننتظر معشر الإسلاميين؟! ننتظر سرقة الثورة التي حذّر منها الرئيس كما كتبتُ في مقالتي «النداء الأخير: أخطر ما حذّر منه الرئيس!». ننتظر مذابحنا من جديد؟ ننتظر أن تدور عجلة الخديعة لتهرسنا على أسفلت الصراع؟! أم علينا أن ننهض ونسحب نحن البساط هذه المرة؟! علينا أن نطهِّر الصفوف منهم فالعلمانيون هم قملُ الثورات! لقد دفعنا الدم والعرض والولد والمال. فأي شيءٍ نخشى عليه هذه المرة؟! علينا أن ننتفض انتفاضة طاهرة من رجس العلمانيين! علينا ألا نسمح لهؤلاء الرعاع المتسلِّقين أن يطؤوا رؤوسنا ويدفنوا الإسلام معنا في قبورنا التي يحفرونها لنا في غيظٍ وتشفٍّ الآن متربصين! يتربصون بنا تربُّص الصياد بينما هم في الحقيقة مجرّد إنفلونزا طارئة على هذا الربيع العربي! يمكننا مكافحتها ومن ثمّ دفن آثارها المخاطية في مناديل كلينيكس!

إذا لم يكن انتفاضنا طاهرين من أجل أنفسنا: فليكن من أجل أجيالنا القادمة. من أجل بلدنا، فإن الإسلام لن يقوم على أجسادٍ ميتة وبيوت خربة ووطن ممزَّق تحكمه الجاهلية وتتغلغل في أوصاله. الإسلام يلزمه مِهادٌ خصبٌ لبذرته نبنيه بكل غالٍ ونفيس. وقد دفعنا الثمن فعلًا من كل غالٍ ونفيس. فعلينا ألا نترك غيرنا يجني الثمرة أبدًا، لا سيما وأن من يريد جني الثمرة الآن هو عدونا. عدونا الحقيقي الذي يسوق لنا العدو تلو العدو يقتلوننا نيابة عنه بينما هو في الظل مستريحًا.

يا أيها المسلمون، ثوروا. ثوروا واستأصلوا الباطل لعلكم تفلحون>

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد