الكتاب الذي بين أيدينا هو الأول ضمن سلسة السيولة لكاتبها عالم الاجتماع البولندي، زيجومنت باومان، هذه السلسة تتألف من ثمانية كتب، هي: الحداثة السائلة، الحياة السائلة، الحب السائل، الأزمنة السائلة، الخوف السائل، الثقافة السائلة، المراقبة السائلة، الشرّ السائل.

والأصل الحداثة السائلة وما يليه من الكتب تفرعت عنه، باومن لا يزودنا بإجابات عن كيفية الخروج من المأزق الحداثي وتناقضاته وإبهامه. وهي محاولة نقدية عميقة لواقع متغير يصعب فهمه. إذًا لماذا يجب أن نقرأ له؟ تجيب الدكتورة هبة رءوف عزت: «إن عالمنا اليوم يشهد عنفًا سائلًا وهينمة صلبة، وهو يتعرض لتهاوي الأنظمة وتفكك الروابط، وسعينا نحو فهم ما نحن فيه هو سبيلنا لتجاوزه وبناء مجتمعات أكثر كرامة. والاطّلاع على هذه السلسلة التي يبدأ بها هذا الكتاب يمثِّل نافذة لمعرفة الواقع، كي نعي أين نضع أقدامنا في طريق النهضة».

الحداثة قامت على فكر الاستنارة الذي قرر أن العقل يجب أن يسود، وأن الوحي أو النص أو الغيب يجب أن يتراجع، وترفض أن تكون هنالك حالة نهائية من الكمال لأنها قائمة على التحديث الدائم، أو ما يسميه باومن التحديث الوسواسي القهري الإدماني بطريقة مرضية، ربما لم تكن أفكار الحداثة الصلبة صلبة بما يكفي لإنها جرت إذابتها والحداثة السائلة تسعى لتشكيل قالب من الأفكار والنظم والروابط لكن قبل قولبتها يجب أن تكون قابلة للإذابة!

في ذلك النظام الجديد، المرونة هي الثابت الوحيد، والزوال هو الدوام الوحيد، والسيولة هي الصلابة الوحيدة، واللايقين هو اليقين الوحيد. هذا الكتاب يتناول خمسة مفاهيم أساسية تتمحور حولها السرديات المعهودة للوضع الإنساني: التحرر، والفردية، والزمان/ المكان، والعمل، والجماعة.

الزواج الذي لا ينتهي ولى عهده، الروابط والعلاقات أصبحت أشياء نستهلكها، الحداثة السائلة تشجع على العلاقات العابرة والمتغيرة والعلاقات تحكمها المنفعة والمتعة اللحظية، وتُشعر الجميع بأنه يمكن استبدالهم بأي لحظة ولذلك الإشباع الفوري مهم.

التسوق الدائم بحث لانهائي ومستمر والتسوق لا يتعلق فقط بالأطعمة، والأحذية، والسيارات، أو أثاث المنزل، فالبحث اللانهائي النهم عن نماذج ووصفات جديدة معدلة للحياة إنما هو تسوق، كثرة العروض والمنتجات وصلاحية الانتهاء، وعملية التجديد والحصول على آخر إصدار أصبحت من سمات التقدم.

عبارة اللا مكان أصبح يشيع استخدامها، فرأس المال أصبح ينتقل بخفة ما يلزم حقيبة سفر صغيرة وهذه الحقيبة لا تحتوي على أكثر من محفظة وهاتف وجوال وحاسوب متنقِّل، العمال والشركات لم يعودوا مرتبطين في المكان وحسب الدراسات الأمريكية الفرد الذي يحظى بتعليم متوسط يغير وظيفته على الأقل 11 مرة في حياته المهنية.

إن الناس لا يحبون أن يكونوا أحرارًا خشية المصاعب والآلام التي ربما تجلبها ممارسة الحرية. الحرية نعمة بوصفها مطلبًا إنسانيًّا غريزيًّا، ونقمة لأنها تعني الوعي والمسؤولية.

والعالم يحكمه نخبة صغيرة تسمك بيدها الخيوط كافة، حتى يتحرك البشر في حياتهم مثل الدُمى، فينقسم العالم إلى مديرين ومصممين، ومتبعين للمصممين من دون أن يبدوا استعدادًا ولا مقدرة على تدقيق النظر بدافع الفضول حتى يفهموا الأمر.

باومان يتحدث بنقد عميق وأكثر ما يميز أسلوبه أنه يتطرق للموضوع نفسه من زوايا مختلفة، ويترك لمسته التحليلية ببراعة لا مثيل لها.

عند الشروع في قراءة الكتاب ستمر على القارئ الكثير من الأشياء والأفكار والمواقف التي نعيشها في أيامنا وكأنه يحاكيها الآن. في زمن العولمة لا يمكننا العيش بمعزل عن الآخر، وهذا الكتاب يحتاج كثيرًا من التركيز وإبريقًا من الشاي، وربما يحتاج لإعادة القراءة لعدة مرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد