لم يحارب القرآن الكفر قدر محاربته للتقليد، لأنه لا يمكن زرع الإيمان في عقل مسلوب الإرادة.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا).

(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا).

لذلك لم يكن الخلاف بين أهل الكهف والكفار حول كفرهم قدر افتقادهم للدليل، (هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ).

وقد بنى الإسلام عقلية علمية، (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).

يقول تفسير المنار: “قرر لنا قاعدة، وهي أنه لا يقبل من أحد قولًا لا دليل عليه، ولا يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها”.

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، فعند غياب الدليل، يجب التوقف عن إبداء الرأي.
ويقول النبي: “أترى الشمس؟ على مثلها فاشهد”.

بهذا الهدي أخرج الإسلام العقل من اتباع الوهم والتقليد، وبنى عقلًا واعيًا، لا يعمل إلا إذا تأكد من وجود أدلة يقينية.

هل يجب تتبع الدليل وراء كل معتقد بنفسك؟

إن كانت الإجابة بنعم، فذلك يستدعي التخصص في كل العلوم بنفسك، مثلًا: للوصول لفتوى دينية تحتاج لدراسة علوم القرآن والحديث والفقه لاستباط الحكم الفقهي بنفسك! لتصديق وجود عضو البنكرياس في الجسم، يجب دراسة علم الطب وتشريح جثة لترى العضو بعينيك!

كما يقتضي تكذيب كل رأي لم تثبته بنفسك، وبذلك فلا ترفض الخطأ، وإنما ترفض ما تجهله، وتصبح القاعدة: كل فكرة خطأ، مالم أثبتها بنفسي!

وأدى ذلك إلى انتشار ظاهرة الرويبضة؛ وهي ليست سُبة وإنما وصف حال لمن يعتبر نفسه عالمًا بلا دراسة، فيجرؤ على الابتداع والاختراع في الدين مخالفًا كل الصحابة والتابعين وأصبح يقول من شاء ما شاء!

هل الدين ليس علمًا وإنما سلوك لكل مسلم؟

التدين هو التطبيق العملي والسلوك الشخصي التابع والمحكِّم للدين، وهو مسئولية كل مسلم. أما الدين فهو دراسة واستنباط عقائد الدين، ومقاصده، وأحكامه، وإعجازه، ومصارده… إلخ. وهو علم يحتاج لآليات، يصعب أن يمتلكها الجميع، لذلك تم تخصيص مجموعة لدراستها، (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).

المثقف والمتعلم:

مرض العقاد، فشخَّص الطبيب المرض في القلب، إلا أن العقاد قال إن المشكلة في القولون بناءً على معلوماته الطبية، وجادل الطبيب في ذلك، عندئذ قال الطبيب لمرافقيه: فهموه أن معلوماته صحيحة، لكن مشكلته في القلب وليس القولون. وامتنع العقاد عن العلاج، ومات!

مهما قرأت في الطب لن تثق في لأجري لك عملية جراحية، وذلك لأن القراءة العامة تفتقد للمنهجية والتوجيه والاختبار والتقييم. كذلك الدين هو علم له آلياته ومنهجيته من علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة… إلخ. القراءة العامة لا تخرج صاحبها عن دائرة الباحث/ المثقف، مهما كان غروره المعرفي الذي يدفعه ليلقب نفسه مفكر/ مجتهد/ عالم!

هل حصر علم الدين على علمائه يعتبر كهنوتًا؟

يميز العلم بين المقدس، والاجتهاد العلمي، والخرافة. وبذلك فالعلم يعترف باحتمالية خطأ العلماء باعتباره اجتهادًا بشريًّا، لذا ليس عيبًا أن يخطئ عالم عالمًا، أو يخطئ عالم نفسه، أما الكهنوت فغير ذلك، فلا احتمالية للخطأ ولا فصل بين المقدس والبشري. كما أن العلم يحصر الصواب في آليات، هذه الآليات ليست حكرًا على أحد، فمن حق أي شخص أن يمتلك هذه الآليات ويصبح عالمًا، أما في الكهنوت فالحصرية لشخص لا تخرج من يده.

الحل:

قد أثبتنا أنه لا مفر من اتباع الدليل وتجنب التقليد، وفي الوقت نفسه لا يمكن تتبع كل الأدلة بأنفسنا لعدم امتلاك آليات كل العلوم.. كيف نوفق بين هذين المعنيين؟!

لا مفر من التفريق بين نوعين من التقليد، تقليد للآباء/ الشائع/ العرف/ الماضي/ شخص. مشكلة هذا التقليد في المقلَّد؛ لذلك كان رد القرآن على تقليد الكفار لآبائهم: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، فليس شرطًا أن يكون الآباء/ الشائع/ الماضي على حق، إذن فهو تقليد مضِل.

أما تقليد اتفاق العلماء على حقيقة علمية في تخصصهم، فهو تقليد لا مفر منه، وهو نفسه دليل، فإن أجمع علماء الفلك على أن الأرض تدور حول الشمس، فلا داعٍ أن أثبت ذلك بنفسي!

تطبيقات…

وراثة الأديان:

يعترف البعض صراحة، والأغبية ضمنًا، أنهم لن يغيروا دينهم مهما كانت الدلائل والبراهين! ويخاف الأغلبية من البحث في الأديان خوفًا من النتائج!

كتابة الأب لديانة المولود هو عمل إداري، نرفضه أو نضطر لقبوله، المهم أن كل مولود بوصوله للبلوغ يجب أن يشك ويبحث عن أهم سؤال مصيري، فإما غضب وإما رضا الإله، صحيح أن الجهل عذر، لكن التكاسل والتجاهل والإعراض أحد أسباب التقصير التي تستوجب العقاب، أما البحث والتحري مع صدق النية – مهما كانت النتائج– ناجي عند ربه، ويضرب القرآن مثلًا من الجن (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)، يشير لفظ (تحروا) إلى جدية البحث وبذل أقصى ما في الوسع للوصول للحق.

ثبت تاريخيًّا وعلميًّا أن ما من إنسان إلا وسأل نفسه عن الدين، المشكلة ليست في البحث، وإنما في النفسية التي تجرؤ على اتباع الدليل في أي طريق سار، ويبني القرآن هذه العقلية الشجاعة في تصريح صادم: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ).

تقليد السلف:

انتشر في عهد المعتصم مقولة: كل آية تخالف مذهبنا فهي منسوخة، وكل حديث يخالف رأي صاحبنا فهو موضوع! وهذه النكسة هي نتاج التقليد الأعمى للسلف. إن كان المقصود بالسلف: كل من سبقنا، فكون عالم سبق غيره لا تعد هذه ميزة لرأيه، تستوجب تقليده. ولأن الفتوى قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، فاستدعاء فتاوى السلف يعد اغترابًا زمانيًّا، وتطبيق لأحكام في غير محلها. ولا يُعقل أن نترك مصادر الدين (القرآن والسنة).

ونتَّبع أقوال بشرية تصيب وتخطئ، عندئذ يصبح النص المقدس مرجوح، والاجتهاد البشري هو الراجح! وليس معقولًا أن نتوقف عند أقوال من سبقونا، وهم أنفسهم لم يتوقفوا عند أقوال من سبقوهم. والأئمة الأربعة أنفسهم نبهوا إلى عدم تقليدهم، فأبو حنيفة يقول: “رأينا هو أفضل ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه”، والشافعي يقول: “إذا ذكرت لكم ما لم تقبله عقولكم فلا تقبلوه، فإن العقل مضطر إلى قبول الحق”، ومالك يقول: “كل إنسان يؤخذ منه ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، أحمد بن حنبل يقول: “لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا”. لذا فدعوى توقف الاجتهاد والاكتفاء بفتاوى السلف، وحصر الفقه في الأئمة الأربعة يعد تقليدًا أعمى مضِلًّا، ولذلك قال العلماء بأن التقليد على العلماء محرم.

السؤال عن دليل الفتوى:

تقليد العالم لعالم غيره دون النظر في الدليل محرم، لأنه قادر على النظر في الأدلة. أما تقليد العامي لعالم فهو جائز، وهو الطبيعي، فليس العامي أهلًا للنظر في الأدلة أصلًا؛ لأنه لم يدرس آليات استنباط الأحكام، ومن ثم فلا يمكنه تقييم فتوى، فيسهل التلاعب به وإقناعه بحديث موضوع، أو تطبيق لآية منسوخة، أو قاعدة في غير محلها… إلخ من صور التضليل. لذا فتقليد العامي للعلماء ليس تقليدًا مضِلًّا وإنما هو تطبيق لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وإنما التقليد المضِل هنا هو تقليد عالم واحد بعينه دون غيره، كأنه معصوم!

العالِم والسياسة:

نحن نتبع العالِم في تخصصه ليس ثقةً في شخصه، وإنما ثقة في أن رأيه يعتمد على أدلة، لكن إن كان رأيه في غير تخصصه، هنا يفقد صفته العلمية، ويصبح مجرد رأي عادي لشخص عادي، لذا فقد أُقلد عالم دين في فتواه دون سؤاله عن دليل الفتوى، لكن من حق أي أُمّي أن يختلف معه في رأيه السياسي، فكلاهما يمثل صوت انتخابي.

الالتزام الحزبي:

لكل حزب/ جمعية/ مؤسسة أفكار وقوانين وضوابط، على من يدخلها أن يلتزم بها. ومعلوم أن طبيعة العمل الجماعي الالتزام، فلا يُتخيل أن تنتمي لحزب ثم تنفذ الآراء التي تعجبك فقط، فإن نفذ كل عضو ما يراه هو، فما قيمة عضوية الحزب؟!

كل منتمي لحزب أولًا هو مؤمن بمبادئه العامة، وثانيًا وافق على آليات صنع القرار، وثالثًا انتخب قادته، في إطار ذلك لا عيب أن يعلن اتّبَاعه لكل قرارات حزبه، أو يتبع آليات الحزب للاعتراض، وإلا يتركه.

الأوامر العسكرية:

رحل أبو قتادة عن جيش خالد بن الوليد إلى الخليفة أبي بكر ليشكو قائده، إلا أن أبا بكر عنَّفه على ترك الجيش دون إذن قائده، حتى لا يشجع الجند على مخالفة أوامر قائدهم، فيختل الجيش.

جيش الحسن بن علي وجيش معاوية متربصان للقتال، وفي يوم استيقظ جند الحسن ولم يجدوا قائدهم/ عبيد الله بن عباس؛ فقد رحل مع آلاف من الجنود لينضموا لجيش معاوية.

سياسيًّا وعسكريًّا وتاريخيًّا هذا الفعل خيانة، في حين أنه اختار الصلح، مثلما فعل الحسن. لماذا الصلح من عبيد الله خيانة ومن الحسن فضيلة؟

الاختلاف في الأهلية؛ فخليفة المسلمين له أهلية اختيار قرار الحرب أو الصلح، أما قائد الجند فدوره هو تنفيذ الأمر العسكري، ولا يتخطى حدود سلطته.

تخيل إذا صدر قرار عسكري، فاقتنع به البعض ونفذه، ولم يقتنع آخرون وامتنعوا، عندئذ تتحقق النتيجة الحتمية: انهيار المؤسسة العسكرية.

مقومات الحياة العسكرية: التماسك، السرعة، الدقة، السرية. لذا فهي حياة لا تعرف الرأي، والرأي الآخر، والجدال، والنقاشات، وإنما تقوم على الطاعة وتنفيذ الأمر. فهذا النوع من الاتباع، وإن كان قد ينتج عنه اتباع أمر خطأ أحيانًا، لكن المؤكد أن عصيانه أكثر كارثية.

التقليد العكسي:

يمكن للتقليد أن يتخذ صورة عكسية، فهو لا يقلد ولا يتبع مباشرة، وإنما يتعمد المخالفة، على طريقة: عدو عدوي صديقي، فدائمًا يسأل عن عدوه ليتخذ الموقف المضاد، فهي صورة من صور التبعية أيضًا، وهي ضالة بالتأكيد، فكما أن اتباع شخص دائمًا تقليد مضِل، لأنه لا يوجد إنسان معصوم، كذلك مخالفة شخص دائمًا مغالطة، لأنه لا يوجد شخص خطأ دائمًا؛ وتتجلى هذه المغالطة عند رفض كل ما يأتي من العدو/ المخالف؛ فكل ما يأتي من الشيعة ضال، وكل ما يأتي من الغرب كفر، ولن ينتج الإسلاميون إلا إرهاب… إلخ!

كانت هذه صورًا للتقليد المضِل، اتباعه ينتج إمعة، والتقليد الضروري للمتخصص، رفضه ينتج رويبضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد