قد يستهجن البعض تلك العبارة، ويرى أنها اتهام لجنس الرجال بمثل هذه الصفة (الجحود)، قد تستعجب أيها الرجل عندما تقرأ هذه الكلمات، ولكن دعني أوضح لك أمرًا في غاية الأهمية ثم أخبرني بعدها ما هو شعورك.

 فقد تكون ممن الذين يكفرون العشير وأنت لا تدري، ثم بكل بساطة تتهم النساء – لمجرد أن تسمع منهن بعض الكلمات – بمثل هذا الاتهام متناسيًا ما تفعله في محاذاة هذا الكفران.

اسمع مني هذه القصة القصيرة، قليلة الكلمات، المتعمقة في المعاني والعبر والدروس.

(سمير) اعتاد منذ صغره أن يأكل هو وأصدقاؤه في مطعم نظيف بمنتصف المدينة، كان الموظفون مهذبين للغاية، يحسنون المعاملة والخدمة بشكل مرضٍ، ويقدمون طعامًا جيدًا بشكل عام. وفي يوم من الأيام، قُدِّم لسمير وجبة ليست بشهية، وكان ينقصها أشياء كثيرة. كان بإمكان سمير أن يطلب من الموظفين بكل بساطة أن يغيروا له هذه الوجبة موضحًا لهم العلة من ذلك، على الأقل لقضاء وقت ممتع مع أصدقائه.

إلا أن سمير قرر أن يصب كل تركيزه على هذه التجربة وتكثيف المشاعر السلبية ومحاولة التأثير على الآخرين في هذا الموضوع، ومن ثم اشتعل غضبًا وكتم في نفسه ما حدث، ثم انفجر بعد أن خرج مع أصدقائه بالسب واللعنات على هذا المطعم، وأقسم على أن لا يعود لهذا المطعم.

واليوم إذا قابلت سمير في الطريق وسألته عن رأيه في ذلك المطعم، فأنت تعرف الإجابة.

وقفة مع أنفسنا

كم مرة تكررت تلك التجربة في حياتنا بنفس الأحداث ونفس السيناريو، ولكن مع أقرب الناس وأحبهم إلينا؟

كم مرة كتمت في نفسك تجربة سلبية مررت بها مع صديقك، ولم تسأله عن سبب فعله، لم ترد أن يوضح لك عذره، واستمتعت بلعب دور الضحية، رغم أنك تعلم أنه قد يكون له عذر مقبول، ولكنك لم ترد أن تسأل فقط للحفاظ على تلك المشاعر التي أصحبت ملاذ الكثير منا في هذا العصر.

نعم، أنا أقصد ما أقول (حرفيًا)، هناك من يستمتع بدور الضحية، هناك من تشعر أنه سعيد لكونه حزينًا، فقط يريد أن يرى من حوله يشفقون عليه، تمامًا كطفل في الثالثة من عمره، وهذا مما عمت به البلوى في أغلب المجتمعات. 

فقط اسمح لنفسك بالدخول على صفحته الشخصية على الفيسبوك أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي، تجد منشورات تشعرك بأنه قد تم تحديد موعد إعدام ذلك الشخص.

 (غدر السنين)، (مفيش صاحب يتصاحب)، (لا أحد يستحق الحب والتقدير)، (يشعر بالحزن)… إلخ. 

أليس هذا ما نجده في الواقع؟ أما ترى ذلك بعينيك كل يوم تقريبًا؟ من منا لا يخلو حسابه الشخصي من أمثال هؤلاء ويرى منهم ذلك كل يوم تقريبًا؟

ما الذي حدث مع سمير بالضبط؟

سمير  تعامل مع تلك التجربة من منطلق معادلة (تركيز + تعميم = إلغاء).


1- التركيز: سمير ركز كل مشاعره على تلك الوجبة السيئة، متناسيًا بذلك كل الوجبات اللذيذة التي قدمت له في هذا المطعم على مدار سنين. أليس ذلك جحودًا يا سمير؟ 

2- التعميم: أطلق صاحبنا حكمًا عامًا على هذا المطعم بأنه مطعم سيء، فقط بناءً على وجبة واحدة.
ومن منا لا يخطئ يا سمير؟

3- الإلغاء: وذلك حينما أقسم على أن لا يعود لهذا المطعم مرة أخرى. 

أليس لسان حاله يقول (ما رأيت منك خيرًا قط؟).

هل اقتنعت عزيزي القارئ أننا في كثير من الأحيان نكفر العشير؟ 

فقط بسبب موقف سلبي من أي صديق مقرب، نقرر عدم التعامل معه نهائيًا مهما كان فيه من الخير؟ 

ألا ترى أننا نبحث عن كائنات بلا أخطاء ليست موجودة على هذا الكوكب؟ ربما إذا سافرنا للمريخ فقد نجد من نبحث عنه.

كثير منا يقيم علاقات جزئية مع هؤلاء المتواجدين على قائمة أصدقائه وأقاربه وليست كلية، كثير منا يتعامل مع الشخص الطيب الذي بداخل صديقه، أما الشخص السلبي (ومن منا ليس له عيوب) فيقرر الانسحاب فورًا وكأنه لم يعرفه في يوم من الأيام، هل يحاول تقويم ذلك الخطأ الذي يراه أمام عينه، هل يحاول أن يتعامل معه بكل مرونة، هل يغفر ويسامح ويحتسب ذلك الأمر لله؟ 

أترك لك الإجابة. 

إذا كنا نحن في أغلب الأحيان نعجز عن تقويم أنفسنا، نعجز عن إصلاح بعض العيوب الملازمة لنا، فلماذا لا نصبر ونتجاوز عن زلات غيرنا كما نحب أن يتجاوزوا هم عن زلاتنا؟ لماذا نركز على خطأ واحد ونتلاشى بسببه كل ما هو جميل وحسن في هذه الشخصية؟ لم هذا الكفران؟

وفي الختام، ماذا لو استخدمنا هذه المعادلة بصورة إيجابية؟