ما أنْ أعلنَ عن مؤتمره الصحفي حتى امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالتكهنات والتوقعات لما سيقوله الجولاني في مؤتمره الصحفي، وتراوحت التوقعات بين التهجّم والتعاطف، والتهكّم والجديّة، وذلك كما هو معتادٌ عليه الشعبُ السوريّ في استباق النتائج قبل حصولها لأنّه لم يعهدْ مؤتمرًا صدقتْ قراراته منذ قيام الثورة.

أنهى الجولانيّ مؤتمره الصحفيّ ولم يضفْ شيئًا جديدًا علی ما قاله بحواراته الصحفية السابقة، سوی التطور الذي بدا بمشهد ظهوره الصحفي؛ فبعد أن كان رجل الظل في لقائه السابق الحصري مع الجزيرة، أصبح الرجل الضبابي في مؤتمر كان منفتحًا إعلاميًّا أكثر، إذْ أنّه كسر قاعدة أحادية الإعلام حين أتيح للغد العربي والأورينت أن تشاركا الجزيرة في هذا المؤتمر.

الجولاني واضحٌ في آرائه وثابتٌ في مواقفه: نقاتل من أجل قيام حكم إسلامي راشد، جماعة الدولة، لا نتلقى دعمًا من أحد، كل ما نملكه هو مما غنمناه، جهاد أهل الشام ثم الثورة المباركة، ولعلَّ هذه العبارة الأخيرة هي الفارق الجذري بين جبهة النصرة وتنظيم الدولة، وأكثر من ذلك فارقٌ بين جبهة النصرة وكل التيارات الجهادية التي عرفها العصر الحديث، حيث أنّ مصطلح الثورة ليس في قاموسها ولا من معتقداتها الإيمان بالثورة باللغة الإصلاحية، إلا أنّ أهم مأخذ للجولاني علی مؤتمر الرياض عدم تضمّنهِ إسقاط النظام، بالإضافة إلى ابتعاده عن المطالبة بحكم إسلامي راشد.

هذان الثابتان (إسقاط النظام والحكم الإسلامي) من لوازم الاستمرار في القتال لأي جماعة إسلامية. تتفق بقية الفصائل والمعارضة السياسية مع الجولاني في الأولی، وتختلف معه في الثانية، لكنّ المسيرة السياسية الدولية للقضية السورية لم تعطِ أيـّة آمال في الأولی، بل هناك سعيٌ حثيثٌ لإعادة تدوير الأسد دون أن تراعی حرمةَ مئات الآلاف من ضحايا إجرام النظام، فأينَ دور المعارضة السياسية في جعل إسقاط النظام بندًا أولًا لا يمكن أن يناقش بدون تحقيقه أي بند آخر.

أي معارضة في الدنيا مهما بلغت من الضعف والترهّل وفقدِ الإرادة، تستطيعُ أن تحقق هدفها الأساسيّ ثم مقياس مكانتها يحدد إن كانت تستطيع تحقيق الأهداف الأخرى أم لا، كونها بكل الأحوال الواجهة السياسية التي تفقد اسمها كمعارضة إن لم يكن هناك شيءٌ تعارضه، فمن كان يريد أن لا يرغم السوريين على قبول النصرة جهة وحيدة تتعلق عليها الآمال، عليه أن يحقق الهدف الذي من أجله خرج الشعب السوري بثورته.

أخرج الجولانيّ  في مؤتمره الداخلي من جعبته أهدافه السياسية واضحة لا مناورةً فيها، وأخرج المجتمع الدولي في مؤتمراته الخارجية أهدافه السياسية، المؤتمر الخارجي إلی الآن لم يؤكد علی أنّ إسقاط النظام بكافة رموزه هو الهدف الأول، بينما المؤتمر الداخلي أكد علی أنّ إسقاط النظام من مسلّمات الثورة.

ربما ليس مهمًّا أن الجولانيّ هو صاحب هذا المؤتمر الداخلي، بقدر ما هو مهمٌّ أن هذا المؤتمر عـُقـِد علی أرض الضحية بين الركام والجثث، وتحت سماءٍ تملؤها طائرات دوليـّة مُلّاكُها يعقدون مؤتمراتهم من أجل سوريا أيضًا، لذلكَ يحمل المؤتمر صدقًا يبعثه مكانه بغضِّ النظر عمن تكلم فيه.

لعلَّ السوريين بعد هذا المؤتمر تبادر في أذهانهم أن يقولوا للمعارضة السورية السياسية: أثبتوا للجولانيّ أن إسقاط النظام مطلبكم الأول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد