في معركة الوعي لا بد أن تتوخى الحذر لما يحدث حولك وما يخططه الآخر لك.

وهنا ضباب اقتحم الشرق فاستعمره واستقر به دون أدنى مقاومة، جاء بأشكال مختلفة وسلك طرقًا عديدة للسيطرة من كل جانب.

ضباب حلّ فاحتل أراضي الغافلين!

حين أقول احتل فأنا أعني تمامًا الكلمة «احتلال»، فالاحتلال ليس مجرد مصطلح سياسي تسمعه وقت النشرات الإخبارية في حالات الحرب والاستعمار، بل هو متشعب أيضًا في كل مجريات حياتك، ومن الواجب أن يعي كل فرد كيف يأتيه الضباب ويحل به.

وللاحتلال أشكال، ولا شكل أشد من آخر، فلكلٍ خطورته «احتلال مباشر وآخر غير مباشر».

فمثلًا إذا نظرت إلى «الاحتلال العسكري» وجدته طاعونًا يحصد الأرواح، ويدمر بنية الدولة وأمانها واستقرارها، ويضفي عشوائية في مفاصل الدولة وشعبها، ويطفئها على كل المستويات.

فمنه ما هو إدارة مؤقتة للدولة دون استعمار «لتبقى هي وخيرها» تحت حماية المحتل. احتلال يحكمه الطمع.

ومنه ما يكون احتلالًا يؤسس إلى استعمار، وهو احتلال شامل يتطور حتى سلب الشعب الأصلي جميع حقوقه، ومن ثم طرده، وكأنك استبدلت شعبًا مكان شعب، وثقافة مكان ثقافة، وحياة مكان حياة، وتاريخًا مكان لا شيء!

هناك أيضًا احتلال القوى العظمى بعضها بعضًا، وهي حرب جنونية يحكمها قوة السلاح والغرور الزائد بأحقية كل منهما بقيادة العالم. وقد تكون حربهما على أرض أخرى خارج حدود الطرفين.

هذا الغرور الأعمى يكلف الكثير والكثير من أرواح الأبرياء، وأموال الشعب وطاقته، ولكن طالما الهدف هو السيطرة وبسط النفوذ فلا يهم أي شيء!

الأمثلة معروفة بالتأكيد في عصرنا الحديث ولا داعي لذكر التفاصيل.

النوع الثاني وهو «احتلال اقتصادي» بفرض نظام يخنق الدولة تحت اسم القروض أو الحماية، وهو تمهيد للاحتلال يبدأ بالابتزاز ومساومات حتى إفلاس الدولة، وبالتالي احتلال فعلي في كل شيء بدون رصاصة واحدة!

تحت هذا النوع لا تستطيع أن تحكم بكلمتك وقانونك؛ فالكلمة الأولى للقوى المالية فقط.

والثالث «احتلال فكري» وهذا متستر دائمًا تحت اسم وهم التحضر، بالتدريج تتنصل من تراثك وثقافتك وهويتك، حتى لغتك ودينك.

مع الوقت تقبل تدخل المحتل في أدق تفاصيل بلدك، بما أنه يحمل المثل العليا في كل شيء.

والمشين أنك إن دافعت عن ملامح ثقافتك ودينك تُتّهم بأنك ضد النظام العالمي بأكمله «ضدالتطور»، حتى وإن كان هذا التطور لا يرقى بالعلم، بل ينحط بالأخلاق!

يوجد نوع آخر لا اسم له عندي سوى «احتلال منحط»، وهو لعبة قذرة تحركها قوى خارجية بأيدٍ داخلية، يهدف هذا النوع إلى تقسيم الشعوب إلى معسكرات متنابذة، تتصارع للأبد، باستغلال عدة مشكلات تثير الضغائن والفتن دون توقف، هذه المشكلات أغلبها مذهبي وعرقي، ومنها ما هو سياسي واجتماعي.

يجري تسليح المعسكرات بعد خلقها، ثم يجرى تدبير «حادث» كل فترة لتنقض هذه المعسكرات بعضها على بعض، فتضعف نفسها محطمة الحكومات الوطنية والمؤسسات الدينية.

بالطبع ضباب فوق ضباب فوق ضباب، وبلاء لا بد أن ينقشع بلا رجعة، وهذا لن يتحقق إلا بمعركة وعي كبيرة.

وبعيدًا عن كل ذلك، فهناك نوع مختلف، ولا يعده الكثيرون احتلالًا، لكن بالنظر طويلًا إلى الأمر ستتيقن من كونه احتلالًا.

فعند النظر إلى تاريخ الأسر الحاكمة، كالدولة العثمانية على سبيل المثال لا الحصر، تجد تصوير مؤامرات القصر بسبب «كيد النساء» لرغبة إحداهن أن يفوز ابنها بالحكم. هذا الكلام الدرامي لا يرقى للتصديق؛ فقضية التوريث هي السبب الرئيسي للمؤامرات والدماء والفتن، وهي باب فساد كبير مهما كانت محاسنه، وإن كانت الدولة تحمل شعارات الحرية والعدل، فعدلها ناقص، وحريتها محدودة، واستبدادها واقع لا محالة؛ لاستئثارها بالحكم واحتكاره لأسرة واحدة بلا شورى، ولا اتباع لأساليب الديمقراطية المتفق عليها، والرقابة على هذا النظام المتجذر لا بد أن تكون مرتعشة وغير منظبطة.

وللأسف فالتوريث لا ينحصر على أفراد وعائلات حاكمة، إنما أيضًا مؤسسات!

منظمة، جماعة، كيان، ولا يخرج الحكم من دائرتها فيصبح توريثًا! وهنا تبدأ المزايدات، كالمزايدة على التديّن أو المزايدة على الوطنية! ثم حجب للرأي المخالف «احتلال من نوع آخر».

ما قدمته مجرد طرح بلا حلول، وأرجو أن أرى سبيلًا للنجاة من كل أنواع التحكم في مصائر الشعوب، وأختم بما قاله إدموند بيرك «كل ما تحتاج إليه قوى الشر لتنتصر هو أن يمكث أنصار الخير بدون عمل ما».

أتمنى يومًا أن ينكسر الصمت بالقول والعمل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد