الأحداث في الأيام الأخيرة، وسرعة تلاحقها تجعلنا نكاد نجزم بأن هذا هو العلو الثاني والأخير بإذن الله لبني إسرائيل. فمنذ تولي ترامب مقاليد الحكم، عمد إلى فعل ما كان دائم التأجيل عند سابقيه، بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة فعليًّا، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ثم اعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، معلنًا بذلك أنه مندوب إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل ذلك هو ما جعل تحقيق روبرت مولر، والذي أظنه كان مبنيًا على وقائع حقيقية يذهب مع السراب، ويصبح حبرًا على ورق، بل إن ذلك الولاء التام الذي أبداه ترامب وحصوله على الدعم الكامل من اللوبي الصهيوني على مستوى العالم أجمع لم ينقذه فقط من تحقيق مولر، بل وجعله في سابقة خطيرة بالولايات المتحدة يفرض حالة الطوارئ بلا سبب حقيقي يستدعي ذلك، ويطيح الجميع ولا يبالي بصفته ديكتاتورًا أطاح بلا شك كل مظاهر الديمقراطية في الولايات المتحدة.

وإن ذلك الولاء التام تلاحم معه خنوع عهدناه، لكن ليس بهذه الفجاجة من حكام بلاد الحرمين الشريفين بصفة خاصة، والخليج بصفة عامة، مع وجود الابن البار للصهيونية العالمية في مصر أكبر الدول العربية ثقلًا في المنطقة، والسعي الحثيث لإتمام صفقة القرن بسلام، وصعود اليمين بقيادة نتنياهو في انتخابات الكنيست الأخيرة، كل هذه العوامل مجتمعة باعتقادي هي العلو الثاني لبني إسرائيل، وأي علو يريدونه أكثر وأكبر من هذا؟!

زيارة السيسي الأخيرة الأسبوع الماضي، والتي التقى فيها ترامب، وتحدثت بعض التحليلات عن أن هدف الزيارة هو التنسيق في ليبيا والسودان والجزائر، وأرى أن هذا على أهميته بالنسبة لهم لا يستدعي حضور السيسي شخصيًّا إلى أمريكا، خاصة أنه على عتبة استفتاء دستوري بعد أيام، وكل الترتيبات وتقسيم الأدوار للقضاء على الثورات يمكن أن يتم بمكالمة تليفونية، أو مقابلة سفير، أو حتى إرسال وزير خارجية، أو مسؤول أمني أو مخابراتي رفيع المستوى، أما أن يؤدي هو بنفسه الزيارة غير المعلنة سابقًا، فهذا يعني أن هنالك أمرًا يجب أن يتممه هو بشخصه، كما أظن أن هذا الأمر هو إمضاء اتفاقيات ومعاهدات قد يوقع السيسي بعضها على بياض، وتكون نواة صفقة القرن يتم إعلانها تباعًا على فترات، وإنني أجزم بأن أي اتفاقية أو معاهدة قد تحصل في المستقبل القريب قد تم إبرامها بهذه الزيارة، ولهذا فإن السبب الوحيد المقنع لحضور السيسي لأمريكا هو شدة سرية هذه الوثائق التي سيوقع عليها، والتي لا يتم تداولها إلا بدائرة قد لا تتعدى ترامب وصهره والسيسي ونتنياهو، والدليل على ذلك أنه وإن كنا نعرف بوجود ما يسمى بصفقة القرن إلا أن مخابرات العالم أجمع لا تعرف تفاصيلها.

باختصار، إن صفقة القرن هي الثمن الخارجي المدفوع من السيسي مقابل بقائه وأولاده بالحكم مدى الحياة، كما كانت كامب ديفيد ثمنًا لبقاء السادات بالحكم وتمريره لتعديل الدستور عام 1980، والدليل على ذلك هو إسراع السيسي اللافت للنظر بإجراء الاستفتاء على الرغم من أن ولايته غير الشرعية تنتهي عام 2022، وحضوره لأمريكا قبل الاستفتاء بأيام هذا يعني أن كلا الطرفين يخون الآخر، وأن كليهما حريص على هدفه، فأمريكا لن تمنحه الحكم مدى الحياة قبل دفع الثمن، وهو لن يدفع الثمن إلا إذا أخذ المقابل، كما أن التوقيت في يوم إجراء انتخابات الكنيست الإسرائيلية نفسه، ومن السذاجة بعد كل هذا اعتبارها مصادفة، بل هي لمعرفة من ستتم كتابته ممثلًا عن الجانب الإسرائيلي بعد فوزه، وتوضع تواريخ لتلك الاتفاقيات عند إعلانها.

لذلك فإن هذه الزيارة هي الأخطر والأهم، وقد تكون الأخيرة إذا كانت كل بنود الصفقة وضعت، والأدوار وزعت، ونتمناها أن تكون الأخيرة فعلًا، فلطالما حلم السيسي بالسادات، والآن يسير على خطاه، وكلنا نعرف نهاية الحكاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد