ألمٌ ألمَّ به في فقرات عنقه وضبابية رؤية أصابت عينيه, راقب حاله كم مرة يلتفت إلى جواله إلى حاسبه إلى الآيباد, يتصفح حسابه في تويتر ليرى التفاعل على آخر مقال نشره أو آخر تغريدة كتبها, متنقلًا يفتح تطبيق الواتس آب يتفحص المجموعات والمحادثات واحدةً تلو الأخرى, والحال كذلك مع السناب شات متتبعًا مدى التفاعل, وليشاهد كل المقاطع من الذين يتابعهم لا يريد أن يفوته شيء. تمضي ساعة وأحيانًا ساعات, يقتطع من عز ذروة عمله ليلتفت, مرة مرتين إلى عشر مرات. تأمل حاله بعدها خلال أسبوع، توقف قليلاً متسائلًا ما هذا الحال؟!

علم أن هذه الآثار الصحية هي انعكاس لحالة ربما تكون أعقد!

وأكاد أجزم بأن هذه الرواية قد تنطبق على كل فرد منا, ولو بمستويات مختلفة.

إن هذه الحالة هي حالة عصرية مرتبطة بوجود وسائل التواصل الاجتماعي، وحيث إن علماء النفس درسوا سلوكها وأعراضها ومن ثم تشخيصها ويطلق عليها حالة FOMO «فومو» وهي اختصار للعبارة الإنجليزية «Fear Of Missing Out» بمعنى «الخوف من أن يفوتك شيء». حقيقة جعلتني أتأمل وأسقط تلك الأعراض على حالنا وكيف نحب أن نكون دومًا على اتصال دائم وليس على تواصل؟! ووجدت بأن علينا أن نعترف بوجود هذهِ المشكلة «أو هذا الضياع»، وحيث أن بداية الحل لكل مشكلة هي الاعتراف بوجودها, «إن ما يدفع الشخص للإدمان أيضًا هو الملل الذي يدفعه للتواصل والخوف من تفويت أي شيء عليه»، فإذا ما علمنا كيف علينا أن نعالج هذا الملل فإننا بدورنا نتخلص تدريجيًّا من هذا الأمر.

وبعد معرفتي هذه الحالة أيقنت أننا صرنا مكبلين بقيد هذه المواقع، وأننا نسير إلى ضياع أوقاتنا, وإلى دمار صحتنا، وإلى فقدان عمق تواصلنا الحقيقي مع بعضنا البعض؛ مع والدينا عندما نكون بحضرتهم، مع أصدقائنا عندما نكون برفقتهم، ومع أقاربنا وأهلينا عندما نكون بجمعتهم، وكيف أنها أوجدت لنا وسائل التواصل حالة انفصال عن الواقع بديل الاتصال.

فتجد أحدنا عندما نستعد للجلوس والبدء في وجبة ما، فأول ما يأكل هو الكاميرا بالتصوير، وعندما نسافر نفقد متعة المنظر وحميمية الاجتماع وجمال الطبيعة والمتاحف والمزارات السياحية بسبب التوثيق لتلك المواقع أو الحسابات الإلكترونية. ننسى واقعنا الحقيقي على حساب تلك المواقع الافتراضية، وكيف أننا نهدر تعاطفنا أيضًا على حالات الذين نتابعهم ولا نستطيع أن نقدم لها أو هي تقدم لنا شيئًا.

تساءلت هل ما نفعله يستحق هذا العناء, يستحق خسارة أوقاتنا وعافيتنا؟ وهل يستحق أن نخسر تواصلنا الحقيقي؟! ما هذا الذي نخشى أن يفوتنا؟

حقيقة أن من أجلّ ما نخاف أن يفوتنا من الأوقات هو طاعة لله لم تؤدَّ بصدق، ومكالمة لصلة رحم قطعناه منذ مدة، ومساعدة صديق هو بحاجة لنا, وإرشاد تائه, وتطوع بعمل خير، وقراءة كتاب نافع, وصرف وقت في سبيل البحث لاكتشاف علمي أو نشره لنفع البشرية، هذه الأشياء وغيرها من الفضائل هي التي نخاف أن تفوت. أما حالة وسائل التواصل فيجب علينا مراقبة حالنا وأوقاتنا والساعات المهدرة عليها بلا طائل. وإن كان لا بد منها فيجب أن نعطيها حجمها القليل وأن نوقن أنه لن يفوتنا شيء وإن فاتنا فلأنه قد لا يهمنا أو قد نجده حين الحاجة إليه.

جرب أن تنسى جوالك مرة، ألا تجدد خدمة الإنترنت، أن تبتعد ساعات عن أجهزتك وقارن حالك قبل وبعد، حتمًا ستعيد التجربة أو ربما تنتهجها.

أخيرًا:

إذا ما علمت أن النعمتين المغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، فجاهد أن تحييهما وتحسن استغلالهما وذلك لصحتك ولطريقك في الحياة وللآخرة، ولعمق وجمال تواصلك الاجتماعي الحق.

وسؤالٌ يدور:

هل سنصل يومًا ما إلى البحث عن علاج للحالة المتطورة من هذا المرض إذا ما صُنِّفَ مرضًا نفسيًّا عضالًا؟! أو هل سنصل يومًا ما إلى الشعور بالغربة الحقيقية عندما نكون مع بعضنا البعض من والدين وأهل وأصدقاء؟!

أترك الإجابة لكم! أراكم بخير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد