«لعن الله السياسة وساس ويسوس وسائس ومسوس» هذا ما قاله الإمام محمد عبده بعد مسيرة كذا من السنوات الكثيرة المفعمة بالكفاح والنضال مع أستاذه جمال الدين الأفغاني سعيا لإصلاح الدولة والنظام، لكن كيف وصل به الأمر إلى هذا اليأس المدقع في مقته الشديد لهذا الطريق الذي اختلف فيه مع أستاذه حتى وصف منه قائلا «إنك لمن المثبّطين»؟!

يبدو جليا أنه لم يكن يأس في حقيقته بقدر ما هو يعبر عن فشل تلك الوسيلة في تحقيق ما طمح إليه الرجلان، فسلكا معًا طريقًا وعرًا، كان النفي والتشريد جزاء وفاقًا ونتيجة حتمية لهما ولنضالهما.

ورغم كفر الإمام محمد عبده بطريق الثورات والسياسة في التغيير، إلا أنه نفس الرجل الذي شارك عرابي في ثورته – الذي لم يكن ليقتنع بها – ومع ذلك كان أول الداعين لها، رغم جنوحه إلى طريق غير هذا.

فهل حقا تكفي بحور الدم التى شاهدناها بأم أعيننا على شاشة التلفاز، وما نتج من ثورات الربيع العربي من مآسي، سببا لكي نكفر مع الإمام بهذا الطريق الوعر للإصلاح؟!

وهنا بعض الملاحظات أكتبها في هذا المضمار وحوله:

-الآن بدأ إيماني يزيد بمدى حماقة الثورات في التغيير، فهو طريق العجزة الذين فشلوا في تغيير النفوس فراحوا يجبروهم بالقوة الجبرية على أن يتغيروا.

-إن مبدأ الثورات العربية في حقيقته يخالف سنن الله في كونه، فالتغيير عزيز، وقد قال ربنا في كتابه عز وجل «إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» والثورة طريقة إجبارية لا اختيارية يقوم بها البعض، بينما هذا الكساد الكاسح من البشر سكرى لا يريدون ذلك.

-نعم أنا هذا الذي سار وارء تلك الشعارات الجوفاء «تحيا» و«يسقط» ولم أكن على بصيرة بتلك النتائج الشنيعة بمستقبل هؤلاء المساكين، الذين نهش فيهم المرض والجهل والفقر بهذا القدر الذي لم يسمح لهم بالقدرة على تغيير أنفسهم.

-آمنت قديما بمنهج الحركات الإسلامية في السياسة، ثم اكتشفت أنه لا منهج أساسا، وعرفت أن أقصى ما يمكن أن نصبو نحن إليه هو أن نساق إلى حتوفنا بدعوى أنه لم يعد بوسعنا إلا ذلك.. منتهى العبث.

-الحركات الاسلامية في مصر يبدو أنها أتقنت فن الموت في سبيل الله وفقط، بينما أعداء الله أتقنوا فن الحياة، ولا أعرف كيف سنقف بين يدي الله عندما نسأل عن موقفنا من الحياة في سبيله!

يا سادة عالمنا الإسلامى ليس في حاجة إلى من يثيره وفقط، ليس في حاجة إلى من يصف واقعه بكثير أسى وفيض من الحزن وبعض اللعنات، ليس في حاجة إلى إتقان فن الهدم، ليس في حاجة إلى تلك البطولات الفردية حتى وإن كانت حقيقة مخلصة، لكنها في النهاية لن تنجح في بناء أمة ولا تغيير شعب ولا حل تلك المشاكل من جذورها.

أمتنا بحاجة إلى من يحدد لها أهدافًا واضحة ووسائل لا يشوبها الشك ولو بنسبة قليلة في مدى فاعليتها وقدرتها على الوصول لتلك الأهداف، بحاجة إلى من يجيد استخدام تلك الوسائل فيتمكن بها ومعها نحو منتج إصلاحى حقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد