نحن أمام اختيارين كلاهما سيئ؛ الجهل، أو الوعى بالحقيقة الصادمة، مع استحالة تغييرها أو حتى الهروب منها

كانت هذه الجملة فى وسط حديثٍ دار مع أحد الأصدقاء عن حالة الانفصام والغربة التى نشعر بها، أو التي يشعر بها أي إنسان على وجه الدقة. الرغبة في الحياة كإنسان تحكمه مبادئ وقيم وأخلاق، والواقع الذي لا يعترف لا بمبادئ ولا أخلاق ويعتبرها ترفًا فكريًا، وأشياء توضع فى الكتب ومحل الأسمار فقط.

شاهدت بالأمس فيلمًا بعنوان Nightcrawler يتحدث عن شخص طموح لديه رغبة جامحة في الوصول إلى قمة الهرم، يردد عبارات الاجتهاد والعمل الدؤوب التي لطالما سمعناها في محاضرات التحفيز والتنمية البشرية؛ أو بالأحرى يطبقها ويعيش بها.

هذا الشاب الذي بدأ من الصفر وانتهى به المطاف صاحب شركة من أكبر شركات الإذاعة… أظنّك الآن قد لمعت عيناك، وانتفضت بالعزم يمناك، وصرت تتخيل الأموال والشهرة التي ستحظى بها إن سرت على دربه. هذه الأفكار تأتينا جميعًا يا صديقي ونطمح أن نصبح كذلك يومًا ما.

لكن دعني أخبرك بشيء ربما يصدمك!

قصة الكفاح والمثابرة هذه التي طالما سمعنا أو قرأنا مثلها لها وجه قبيح ستشاهده من الدقيقة الأولى للفيلم، شخص بلا أخلاق أو أي مبادئ، بلا إنسانية من الأساس، لا تهم الطريقة التي سيجمع بها الأموال، المهم أن يصل إلى الهدف الذي يطمح إليه، حتى وإن استدعاه ذلك أن يتسبب فى مقتل أحدهم حتى يحصل على مشهد مثير يبيعه بالآلاف!

هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن، الأخلاق والمبادئ فيه تشبه الديكور الذي يوضع فى المنزل، أشياء بلا قيمة، نرددها فقط حتى ننال استحسان الناس عند رؤيتنا أو الاستماع إلينا. أما ما نعيش به؟ مجموعة مختلفة تمامًا من القواعد، أو بمعنى أدق اللا قواعد.

أعيش هذا الصراع بشكل شبه يومي؛ حيث أعمل في مجال التسويق والذي يقول عنه صديقي أنه فأس الرأسمالية المسلطة على رؤوس العباد، وهذا التعبير يصف بدقة الأفكار التي تدور في رأسي!

فنحن – معشر المسوقين – وظيفتنا أكبر من مجرد البيع وتكبير الأموال، يمكنك القول إننا نمتلك القدرة على تشكيل وعي البشر، التأثير في ثقافتهم، التحكم في أفعالهم، وكل ذلك وهم يشعرون أنهم أصحاب القرار الأول والأخير في هذه اللعبة، وأن قراراتهم تخرج وفق إرادتهم الحرة.

هذا هو التوصيف المجرد والمحايد للتسويق، وقد تظن أنه بذكر كلمة محايد بأن هناك طرفان للمعادلة يتصارع أحدهما مع الآخر لفرض نفوذه وسيطرته، ولكن الأمر ليس كذلك بنسبةٍ كبيرة… فالاتجاهات المتصارعة كلها فى طرف واحد من المعادلة، فقط القليل منهم من يحاول أن يضيف بعض المسحة الأخلاقية لما يفعله.

لكن أن تظن أن هناك من يعمل في هذا المجال وفق منظومة من القيم والأخلاق، فأنت مخطئ!

كلامي لا يعنىي أننا كلنا سيئون، لكن القضية كلها أن الواقع لا يعترف بتلك الأشياء المسماة بالقيم والأخلاق، الواقع يحاربها ويطردها منه بكل قوة، ومن يستطيع الاستمرار فيها يعاني الأمرّين.

محاولة العيش كإنسان تحكمه مبادئ وأخلاق في هذا العالم هي كمحاولة أن تطعم أسدا جائعا حزمة من البرسيم، أظنك تعلم الإجابة، ستكون أنت الوجبة القادمة لهذا الأسد!

الجهل بهذه الحقائق خيار سيئ، لأنه يجعل منك قطعة شطرنج يتحكم فيها اللاعب، ولن يتورع أن يضحي بك إن سارت اللعبة على هذا النمط، ولكنك في الوقت ذاته ستمتلك نوعًا من الراحة – الزائفة بالمناسبة -.

أما محاولة اكتشاف الحقيقة تعني وضع إحدى قدميك في الجحيم، وقدمك الأخرى ستتبعها إن فكرت يومًا في الثورة على هذا النظام؛ سيسحقك النظام بلا أدنى رحمة كي يحافظ على بقائه، كي يحافظ على نموّه وازدهاره!

قدرنا يا صديقي أن صرنا نحارب من أجل أن نعيش إنسانيتنا، وأيًّا كان ما سنؤول إليه، فأن تموت وأنت تحاول أن تعيش كإنسان بمثابة الاستشهاد في هذا الزمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد