اختار ثلاثة شباب الكتابة في السياسة، فامتلأت حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بهذا النوع من الكتابات وتزاحمت أوراقهم بمقالات ومقالات، فكتبوا عن الإنسانية والحرية، وعلقوا عن الثورات وكثرت صفحاتهم بالحوارات، وكل هذه المواضيع كانت تزين صفحاتهم، فعلت أصواتهم واكتظت ورقياتهم وامتلأت عيونهم بشرارة النجاح، وخيل لهم أنهم وصلوا إلى مرادهم وبلغوا عنان السماء.

إلى أن جاء موعد بداية مباريات كأس أفريقيا فقل اهتمامهم وسكن هياجهم ومكثوا في البيوت يتابعون ويصفقون، والتهوا عن كتابتهم السياسية وأبحروا في الأحلام الوردية، ونسوا قضيتهم الأساسية ونزلوا إلى أقرب كشك لشراء بعض الأطعمة الخفيفة والحلوى الهنية وجلسوا على الأرائك يشربون الكولا ويأكلون الفشار ورموا ما وراءهم من أفكار، بعد أن كانوا يحشرون أنوفهم في كل شاردة وورادة من أخبار الشعوب والدمار، واتخذوا مبدأ بعدم التنازل عن عملهم الذين ظنوا أنهم يحبونه، فندرت اهتماماتهم حتى اختفت وسكنت أصواتهم وانتهت ودب الصمت في قلوبهم وفقدوا العزيمة التي كانت في عيونهم، وأصبحوا مثل الدمى والعرائس التي ترقص في المسارح ولا تعرف دورها فتبقى ساكنة فقط ليأتي مالكها ليحركها كما يشاء، يصرخون مع كل خطأ في تسجيل الأهداف ويخاطبون ويتحدثون في الفراغ وتتداخل أصواتهم في كل مكان مثل زوبعة في صحراء قاحلة ويتوهون في منظر الكرة ويخيل لهم أنهم في الملعب وسط الجماهير، لكن سرعان ما يكتشفون أنه سراب.

سؤالي المطروح بأي وجه سيقابلون بعد انتهاء هذه المباريات الناس الذين وعدوهم بجلب حقوقهم؟ أين الوعود التي قطعوها؟ بعد أن كانوا يخوضون حروب الكلام، وكان القلم سلاحهم فوقعوا في فخ التلفاز وجذبتهم الجماهير والهتافات وغاصوا في ألوان الشاشة الجذابة وصورة الملعب الرنانة وأصبحوا يحللون في هذه المباريات ويتعصبون على اللاعبين والمدربين ويحللون وينقدون ويضعون خططًا بديلة.

كنت دائمًا أتساءل في نفسي لماذا كل هذه الأموال الطائلة التي تصرف على كرة القدم ولماذا تقيم السلطات المسؤولة الحفلات والمهرجانات عند قدوم مواسمها، السبب واضح والإجابة معروفة، إنها حرب باردة لإلهائهم عن حرب الكلام وسلطة القلم، إنهم يستخدمون هذا النوع من الحروب الخفية الساكنة دون إراقة نقطة دم واحدة، حتى تكون عملية سهلة لا تكلفهم جهدًا كبيرًا، الأمر أشبه بحملة نابليون على مصر ومكوثه فيها سنتين كانت كافية لزرع ثقافته وبثها فيهم وجعلهم يخضعون وذلك عن طريق التحضر والتقدم. إنها حرب من نوع آخر أو كما يطلق عليها حرب الماء والصابون، فهذا النوع من الحروب يكون تأثيره على الناس أصعب ويأخذ وقتًا كبيرًا لنزع آثاره فتبقى هذه الآثار جيلًا بعد جيل.

أنا لا أخالف مشاهدة كرة القدم إذ لا بد من وقت للترفيه والاستمتاع، لكن لا تدع قضيتك الأساسية من أجل لعبة ستنتهي، لأنك ستجد نفسك قد وقعت في مصيدة خفية تجذبك ببريقها ورونقها.

انتهى كأس أفريقا وعاد الشباب لعالمهم مجددًا، لكنهم اكتشفوا أنهم تأخروا كثيرا ففي فترة سباتهم ونومهم العميق حصلت أشياء وغابت أشياء واتخذت قرارات ففي الوقت الذي كانوا يستمتعون بوقتهم زيادة عن اللزوم كان أعداؤهم لا ينامون ولا يغفلون ولا يفوتون أي لحظة للتغلب عليهم فراحوا يتداركون ما فاتهم فأصيبوا بخيبة أمل كبيرة ووقعوا في صدمة وحيرة وتساءلوا من أين سيبدأون؟ من أين سينطلقون؟ هل سيواكبون جميع المواضيع في وقتها أم أنهم سيتوقفون ويستسلمون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد