قبل أيام قليلة بثت الجزيرة الوثائقية وثائقيًا بعنوان الوقت المستقطع حول واقع كرة السلة في لبنان و تداخل الرياضة بالسياسة والطائفية.

اللافت في المقابلات التي تضمنّها الفيلم تقاطع آراء لاعبي كرة السلة المشهورين والتابعين لأشهر ناديين سلويين؛ أي الرياضي والحكمة، حول الأسباب التي أدت الى تراجع اللعبة، بعد أن كان لبنان رائدًا آسيويًا، بل عالميًا فيها.

إذ إنه فضلًا عن إشكالية التمويل، تنسحب المشاعر الطائفية على واقع التشجيع والانتماء في الرياضة اللبنانية عمومًا، لكنك سرعان ما تكتشف أن هذه العصبية تختفي بمجرد وجود إطار جامع للبنانيين بجميع طوائفهم، كما حصل مع منتخب لبنان لكرة القدم مؤخرًا حين شارك في بطول كأس الأمم الأسيوية، وخرج بدعم جميع اللبنانيين وتعاطفهم بالرغم من عدم تأهله للدور الثاني.

يستضيف وثائقي الجزيرة من ضمن مقابلاته النجم السابق لنادي الرياضي اللاعب وليد دمياطي الذي درّب بعد اعتزاله اللعب، نادٍ مغمور في الدرجة الثانية اسمه نادي تبنين، وهو نادٍ ينحدر من بلدة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.

يفاجئ دمياطي المشاهد حين يكشف أن نادي تبنين لا يرغب بالصعود للدرجة الأولى، ربما لعدم إثارة المشاعر الطائفية، مع الأندية الأخرى. قد يبدو هذا الأمر صادمًا للوهلة الأولى، لكنه بعد التفكير مليًا، فإنّ هذه حكمة تُحسب للرئيس بري، المنتمي إلى الطائفة الشيعية، والذي يلعب دومًا دورًا جامعًا بين الأقطاب السياسيين في لبنان، ويتجنب الخطاب الطائفي ويدعو منذ عقود من الزمن إلى إلغاء الطائفية السياسية.

ولأن كرة القدم، لا السلة، تُعدّ اللعبة الشعبية الأولى في لبنان، فإن تناول ظاهرة بارزة في واقع هذه اللعبة قد يساعدنا على معالجة موضوع المقال أكثر.

من المعلوم أن لكل منطقة في لبنان فريقها الكروي، لكن السياسة أفسدت على مرّ السنوات شغف الجماهير لهذه اللعبة، وإصابتها بسهام الطائفية والفئوية. وهكذا انقسمت الجماهير على الفرق بحسب انتماءاتها الطائفية؛ بل المذهبية عمومًا.

وسط هذا الحال المزري، وبدلًا عن محاولة التفكير بإنشاء نوادٍ رياضية تستقطب كافة الأطياف والشرائح، تبنّى حزب الله، المكوّن البارز في النسيج اللبناني، نادي كرة قدم يعتمد في حضوره على جمهور من لون واحد هو نادي العهد.

استفاد العهد الذي يتخذ من الأصفر لونًا له من تراجع الدعم المالي ومشاكل بقية الأندية، خاصة قطبيها البارزين النجمة، والأنصار، فبدأ يحصد الألقاب، وسط اتهامات له من قبل الأندية الأخرى بأنه يحظى بالمحاباة من قبل المسؤولين عن كرة القدم في لبنان.

لكن هذه الاتهامات – غير الموثقة – عززها انتماء العهد سياسيًا إلى حزب وفئة محددة، بشكل يتخطى تاريخ وواقع اللعبة في لبنان، فصحيح أنه لطالما التصقت كرة القدم بالسياسة، لكننا حتى مطلع العام 2005، عام اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، اعتدنا على وجود جمهور منوّع طائفيا لمعظم الفرق، حتى تلك التي تخضع لتمويل سياسي واضح. وكان من المألوف أن تجد على سبيل المثال مشجعين من كل الطوائف لأندية الصفاء، الراسينغ، بل حتى (الهومنتمن) و(الهومنمن) المولودين من رحم الأرمن في لبنان، وغيرهم من الأندية العريقة.

لكن نادي العهد كنموذج لم يخرج عن عباءة اللون الواحد، على الرغم من محاولة إدارة النادي دومًا جلب لاعبين جيدين بغض النظر عن انتماءاتهم طبعًا، لكنها على الصعيد الجماهيري لم تنجح في ممارسة التعددية، بل إنه حتى في محاولاتها استقطاب الجمهور فهي تركّز على صغار السن، في خطوة تُشبه التعبئة الحزبية، لا التشجيع الرياضي. في حين تتندّر بعض الصفحات الشعبية الكروية المناوءة لنادي العهد بأنه يقدّم وجبات شاورما لجماهيره كي تحضر مبارياته على المدرج، في اتهام فكاهي لا يخلو من المبالغة طبعًا. علمًا أن الكثيرين من المنتمين لحزب الله نفسه يشجعون النجمة، النادي الأكثر عراقةً وجماهيرية.

قد يناقش البعض في أنه يحق لأي طرف في بلد متنوّع كلبنان أن يُنشئ ويدعم كيانات اجتماعية ورياضية وثقافية خاصة به، من باب حرية التعبير والديموقراطية التي يتغنى بها اللبنانيون. وأنه يحقّ لكافة الأحزاب في لبنان امتلاك أندية رياضية خاصة بها.

وهذا الأمر مقبول نظريًا، إلا أن حدود الحرية في لبنان دقيقة للغاية. وفي حالة الرياضة تحديدًا، كما في الثقافة والتربية، لدينا حاجة لتقديم الثقافة الرياضية على ما سواها، والتقليل قدر الإمكان من حجم الاستفزاز أو الممارسات الخاطئة التي تنقل المنافسة من ساحات الرياضة إلى مستنقعات السياسة والطائفية.

واللافت أنه على الرغم من الأزمات المتتالية التي عانتها البلاد، حافظ النادي الأكثر جماهيرية في لبنان؛ أعني النجمة، على تنوعه الجماهيري، بالرغم من محاولة الكثيرين التصويب بإتجاه إداراته المتعاقبة بذريعة طغيان لون طائفي واحد، وهو أمر غير دقيق في الواقع.

والحق يٌقال: إن إدارات النجمة المتعاقبة، بما فيها الحالية، تراعي إلى حد كبير التنوع في جمهورها، وتحاول قدر الإمكان الحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الزعماء السياسيين في لبنان، ذلك أنها من مصلحتها العملية توسيع قاعدتها الشعبية دومًا.

وفي حين يأخذ البعض على جمهور النجمة عدم امتثاله للقوانين والانضباط، فإنه يكاد النادي الأكثر تنظيمًا للروابط ومكاتب الجمهور على امتداد الأراضي اللبنانية، بل لا يتوانى مشجعوه عن توثيق كافة أحداث الشغب التي تحدث بالملاعب بهدف معالجتها. وهي أحداث لا تخرج عن الإطار المعهود الذي يقع في أي دوري أوروبي أو أجنبي.

في المقابل، وعلى الرغم من أن الجهة السياسية التي تدعم العهد تراعي في أدبياتها الرسمية عمومًا التنوع اللبناني، فإن واقع نادي العهد جماهيريًا لم يرق إلى مرحلة القدرة على استيعاب أو استقطاب شرائح معتبرة من بقية الطوائف والمذاهب أو الأحزاب.

وهذا يقودنا إلى السؤال الرئيس والإشكالية المطروحة في عنوان هذه المقالة:

هل تخدم النوادي الفئوية الرياضة في لبنان؟ 

الجواب المنطقي هو لا. 

فمن مصلحة الرياضة في لبنان تجنب التقوقع قدر الإمكان كي تصعد وطنيًا وتكون عنوانًا جامعًا. والشباب اللبناني في هذه المرحلة يحتاج أكثر إلى إعادة اختبار الشعور الجامع والعابر للطوائف والمذاهب و الذي طغى على الشعب اللبناني بأسره إبّان مشاركة المنتخب الوطني لكرة القدم في بطولة كأس أمم آسيا الجارية. 

هذا الشعور لم ينجح نادي العهد في اختراقه بعد على الرغم من الألقاب التي حصدها، باعتباره ينتمي جماهيريًا إلى لون واحد وينحصر انتشاره في توزع جغرافي ضيّق. 

هذا لا يعني أنه لا يوجد حالات أخرى يمكن الكلام عنها، لكن اختيار العهد نابع من كونه بطل لبنان في السنوات الأخيرة، وهو الندّ الحالي لنادي النجمة الذي يبقى العنوان الأبرز للتنوع في الفسيفساء اللبنانية والعابر للتكتلات والعصبيات، والنموذج الأفضل القادر على التحدث بلغة يتقنها معظم اللبنانيين: لغة كرة القدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد