لقد كان لخروج مصر من الدور السادس عشر في كأس الأمم الأفريقية وقع سيئ للغاية على الجماهير المصرية؛ فالبطولة التي تنظم على أرض مصر، والتي ما زالت مصر صاحبة الرقم القياسي في الحصول عليها، وهي البطولة المحببة لقلوب الجماهير المصرية، كيف يكون الخروج منها مبكرًا بهذا الشكل، وبهذا الأداء الضعيف، وأمام إحدى الفرق الضعيفة فنيًّا، خاصة وأن منتخب مصر يلعب على أرضه وبين جمهوره.

ظهر منتخب مصر في البطولة منذ بدايتها بمستوى فني ضعيف للغاية، ولم يكن السبب هو المستوى الفني فقط، وإنما كانت هناك أسباب أخرى كثيرة قبل انطلاق البطولة وبعدها، أدت لتلك النتيجة المخجلة، الأمر الذي جعل بعض المشجعين والجماهير يفرحون لذلك الخروج المبكر، الذي كان متوقعًا؛ لأنه سيكشف ولو جزءًا قليلًا من فساد المنظومة الرياضية في مصر، وما يرتبط بها من منظومات إدارية وسياسية وأخلاقية.

فعلى المستوى السياسي، ومنذ إسناد تنظيم البطولة لمصر، شرع النظام السياسي المصري في استغلال البطولة بكل الطرق الممكنة، وعمل على استخدام الاستراتيجيتين اللتين يجيدهما، وهما التجميل والإلهاء، فقد قدم الإعلام البطولة على أنها حدث قومي، وإنجاز كبير يحسب للنظام، ووضعت في سبيل ذلك كل الإمكانات المتاحة، وكان من المنتظر أن تحصل مصر على البطولة ليصبح ذلك إنجازًا كبيرًا يحسب للنظام، يدندن حوله ليل نهار في بلد يفتقر لأي نوع من الإنجازات على أي مستوى من المستويات منذ سنوات طويلة، أما على مستوى الإلهاء فقد مررت على وقع البطولة أحداث كبيرة ومهمة تخص الشعب المصري وهمومه، فقد مرر موت الرئيس محمد مرسي في ظروف مجهولة، ودفنه سرًّا دون أي تحقيق طبي في الأمر، ثم رفع أسعار الوقود، وقتل عدد جديد من الجنود المصريين في سيناء، واعتقال عدد كبير من المعارضين، وكل ذلك في خلال انشغال الناس بالبطولة، ولم ينته الأمر عند خروج مصر من البطولة، بل استغل الحدث أيضًا في خلق حالة من الجدل، وفتح ملف الفساد الرياضي وفشل اتحاد الكرة؛ حتى تستمر حالة الإلهاء المقصودة.

أما على المستوى التنظيمي والإداري فقد شابهما من الفساد الكثير، فمنذ البداية حاول المنظمون وبكل الطرق الحرب على الجمهور الحقيقي، والذي هو عصب كرة القدم ووقودها، وهو العنصر الأهم فيها، ففي مصر التي تلعب فيها البطولات المحلية بدون جماهير منذ سنوات طويلة، والتي يعتقل فيها شباب الأولتراس والمشجعون، ويقتل منهم عدد كبير، وتجبرهم السلطات على حل أنفسهم، ويجند الإعلام ضدهم ليل نهار، كل هذا خوفًا من أي تجمع شبابي منظم قد يهز صورة النظام، أو يجرح كبرياءه حتى لو بهتاف أو كلمة نقد، لذا كان شعار اللجنة المنظمة منذ البداية هو الحرب على الجماهير، فاتخذت عدة تدابير، بداية من رفع أسعار التذاكر لتناسب فئات معينة لا يستطيعها المشجع العادي، ثم عمل نظام إلكتروني لحجز التذاكر يتضمن تسجيل البيانات الشخصية؛ حتى يستبعد غير المرغوب فيهم ويختار أشخاصًا معينين، إضافة إلى نشر عدد من المخبرين والجواسيس وسط الجماهير، والقبض على أشخاص من داخل الاستاد لمجرد هتافهم أي هتاف مخالف من وجهة النظر الأمنية، وصولًا إلى توزيع تذاكر مجانية على هيئات ومؤسسات وأفراد ينتقونهم، ليصل الأمر في النهاية إلى أن يكون الجمهور الحاضر في المدرجات ليس جمهور كرة قدم حقيقيًّا يلهب حماسة اللاعبين، ويهز أركان الملعب تشجيعًا، بل أصبح معظم الموجودين أشخاصًا منتقين ينتمون لطبقات معينة؛ ليبدو الأمر وكأنهم ذاهبون في رحلة أو نزهة، الأمر الذي أثر في مستوى أداء اللاعبين في الملعب.

أما عن الاتحاد المصري لكرة القدم فحدث ولا حرج، فهو اتحاد يعرف بفساده الجميع في مصر، فهو فاشل في تنظيم البطولات المحلية، متهم بالمحاباة لأطراف وفرق معينة، وبالفساد في إدارته واختياراته، أما أعضاؤه فغالبيتهم متهم بقضايا فساد مالي، وأخلاقي، ورياضي، كان بعضها على الهواء مباشرة، وبعضها منظور أمام جهات رقابية، وبعضها تسرب للإعلام، وعلى مستوى إدراة المنتخبات، فهو فاشل أيضًا في اختيار المدربين، وفي تنظيم أمور المنتخب، وله وقائع كثيرة تشهد على ذلك، كان آخرها ما حدث في كأس العالم بروسيا من فساد إداري ومالي، أدى لخروج مصر بفضيحة مدوية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب، وإنما أيضًا هناك ما تسرب عن فساد كبير فتحت بعض ملفاته بعد الخروج من البطولة من تلقي عملات ورشاوى من المدربين الأجانب، وغير ذلك.

وعلى المستوى الفني كان هناك أيضًا فساد من نوع آخر، بداية من تلاحم المواسم الذي أرهق اللاعبين، وعدم حصولهم على راحة، الأمر الذي بدا واضحًا على أدائهم البدني والفني في الملعب، والفشل في تنظيم البطولات المحلية، واختيار مدرب سيئ والإصرار على وجوده، رغم وجود مدربين مصريين أكثر كفاءة، ولكن بالطبع التعامل مع المدرب الأجنبي وفقًا للمنظومة الفاسدة سيكون أسهل للحصول على العمولات، والتدخل في الاختيارات، وما إلى ذلك، ثم ما حدث من محاباة وتحيز واضح بشكل كبير في اختيار اللاعبين المنضمين للمنتخب، واستبعاد لاعبين جيدين ومميزين فنيًّا وأخلاقيًّا، وانضمام لاعبين دون المستوى لا يصلحون لارتداء تيشرت منتخب مصر، لا فنيًّا ولا أخلاقيًّا، ويفتقدون لروح البطولة وجماعية الأداء، كل تلك العوامل أدت إلى الظهور بمستوى فني باهت ومخيب لآمال الجماهير المصرية، وكانت نتيجته هذا الخروج المبكر.

أما على المستوى الأخلاقي فقد كان منتخب مصر دائمًا يعرف بالالتزام الأخلاقي، والانضباط السلوكي داخل الملعب وخارجه، وبوجود قواعد صارمة لا يستطيع أحد خرقها وإلا عوقب واستبعد، وكان ذلك واضحًا جدًّا في الجيل الذهبي للكرة المصرية، الذي حصل على البطولة الأفريقية ثلاث مرات متتالية، وكان هذا الانضباط دائمًا هو سر تفوق المنتخب المصري، إلا أن هذا الأمر قد تغير الآن؛ فمنذ بداية المعسكر، قد ضُم لاعبون تثار حولهم الشبهات، ولهم وقائع سابقة موثقة من التحرش وعدم الانضباط الأخلاقي، تكررت هذه الوقائع أيضًا هذه البطولة، إذ تحرش اللاعب نفسه ومعه آخرون بفتاة على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت الفتاة المحادثات الخاصة بهم، ثم انتشر مقطع آخر فاضح للاعب نفسه، الأمر الذي أثار استياء الجماهير من اللاعبين الذين من المفترض أنهم داخل معسكر وفي حالة تركيز، كما أنهم من المفترض أنهم قدوة لغيرهم، ولكن الفساد الإداري والأخلاقي لم يتوقف عند هذا الأمر فقط، بل امتد لأكثر من ذلك، فقد اتخذ اتحاد الكرة قرارًا باستبعاد اللاعب انحيازًا للجانب الأخلاقي والانضباطي، وهو قرار صائب على كل حال، لكن وفي واقعة غريبة ضغط اللاعبون، وعلى رأسهم اللاعبون المحترفون والقدامى في المنتخب، على الجهاز الفني واتحاد الكرة لعودة اللاعب زميلهم غير المنضبط للمعسكر، والأمر الأشد فسادًا هو استجابة اتحاد الكرة لتلك الضغوط في سقطة أخلاقية إدارية شديدة، لا تمثل قيم الشعب المصري، ولا حتى أبسط القواعد الرياضية والإدارية.

مما أثار حالة من الغضب الشديد من الجماهير المصرية، والتي أطلقت على منتخبهم الذي كان يلقب سابقًا بمنتخب الساجدين، لقب منتخب المتحرشين، وتوقعوا سقوط هؤلاء اللاعبين غير المسئولين وهذه المنظومة الرياضية الفاسدة، وهو ما حدث بالفعل، فلم يخيبوا ظن الناس بهم، وظهروا بمظهر بائس بدون روح، ولا إصرار، ولا عزيمة، ولا أداء، ما جعل الناس يقارنون بين هذا الجيل وبين الجيل الذهبي للكرة المصرية، والذي يمثله اللاعب الخلوق محمد أبو تريكه، الذي هتفوا له في المدرجات، لتعلن الجماهير المصرية انحيازها للأخلاق والانضباط.

كل تلك الأسباب جعلت الكثيرين يفرحون بذلك الخروج، ويرونه أمرًا طبيعيًّا حتى تنكشف تلك الفئة الفاسدة المسيطرة على الرياضة في مصر، ويستبعد هؤلاء اللاعبون الذين لا يستحقون ارتداء قميص منتخب بلادهم.

وحتى لا ينتصر الفساد الأخلاقي والسياسي والإداري، ولتعلو قيمة الحق، والانضباط، وليعلم الناس أن لا نصر في أي مجال دون أخلاق، ودون تعب، وجهد، وعرق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد