في كرة القدم

 وُلد هذا الكتاب تكريمًا لكرة القدم، واحتفاء بأضوائها، وتشهيرًا بظلالها.

هكذا ختم إيدواردو غاليانو هذا الكتاب العظيم الذي يجمع بين  شغف كرة القدم والأدب، كتاب أنصف فيه الكاتب كثيرًا كرة القدم وهو المثقف والأديب الكبير في الساحة الأدبية العالمية، وهذا عكس ما يظنه البعض من المحسوبين على طبقة النخبة والمثقفين، بأن كرة القدم هي أفيون الشعوب الذي تستخدمه الحكومات لتخدير الغوغاء وإسكاتهم، كما يراها الكثيرون أنها عبارة عن لعبة حقيرة يلعبها الرعاع والبلطجية.

لكن لنفرض أن كرة القدم لم يكن لها أي وجود أصلًا، هل كانت حياة فقراء العالم ستتحسن وسيكف رؤوس الشر عن نفث سموم الفساد كما يفعلون الآن؟ ساجيبك عن هذا السؤال..لا. على الأقل كرة القدم كانت ملاذًا لأولئك الذين يعيشون على هوامش الحياة ولا أحد يصغي إلى أصواتهم وأنينهم وضجيج بؤسهم، كانت الملاعب جنة فسيحة ينعمون فيها وينسون بمداعبة الكرة بأرجلهم ومحاولة الاحتفاظ بها ودكها في شباك الخصم أشجانهم وهموم معيشتهم الضنكى، ستقول إن كرة القدم لم تقم سوى بالتفرقة بين الناس ونشر الفتن وإشعال الحروب الشعواء بين أصحاب الجلدة الواحدة وستتحجج بمجازر مأساوية حدثت في ملاعب الكرة كان سببها جلد منفوخ يجري من ورائه 22 لاعبًا كالمغفلين من أجل وضعه في شباك الآخر، صحيح أن تلك المآسي تدعو للحنق والغضب والأسف.

لكن الملام هنا ليس كرة القدم، بل التعصب هو الجاني الوحيد في هذه القضية، وحينما أقول التعصب فأنا أقصد الإنسان المتعصب والمتطرف الذي يحول أي شيء جميل وناعم إلى وباء وإلى غائلة من الغوائل المشينة، وخير مثال ما فعله المتطرفون والمتشددون بدين يدعو للسلام كدين الإسلام، فشوهوا صورته أمام العالم وجعلوه في نظر غير المسلم دينًا للقتل والكره والضغينة، وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة طبعًا، كذلك الأمر مع كرة القدم.

بل إن الكرة بشكل خاص والرياضة بشكل عام قد قدمت خدمات جليلة إلى الإنسانية، بحيث صار بإمكان اللاعب الأسود أن يلعب الى جانب الأبيض في ملعب واحد أو ضده ويفوز عليه في زمن كان الأسود لا يتفوق على الأبيض في أي شيء سوى العبودية، وقد استغل اللاعب الهولندي ذو الأصول الأفريقية رود غوليت شهرته وشغف الجماهير بلعبه في محاربة العنصرية ضد السود، كما أن الكرة أنقذت الكثير من أبناء الأحياء الفقيرة الذين كان قدرهم يسير بهم نحو العمل في المناجم والحقول أو حتى إلى التسول، بحيث صار ذلك الابن الفقير بكرة القدم ثريًا ونعمة على عائلته، فقط بسبب مهارته في مداعبة ذاك الجلد المدور الذي يسحر كل من يشاهده وهو ينتقل بين أرجل اللاعبين برميات قصيرة وطويلة ومراوغات بهلوانية في سيمفونية بديعة تختتم بدخول الكرة إلى الشباك، ويكون الهداف الحاذق الذي أدخلها هو مايسترو الأوركسترا.

في قراءة الكتاب

 صادف أن قرأت كتاب كرة القدم بين الشمس والظل للأديب الأورغواياني إيدواردو غاليانو، في فترة موازية لفعاليات التظاهرة الكروية الأكبر في تاريخ كرة القدم «كأس العالم» بروسيا، وبطبيعة الحال وكما تعودنا كلما كانت الساعة العالمية تشير إلى بداية وانطلاق المنافسة على الكأس الأغلى، لا حديث في الصحف والمجلات والتلفزيون والمقاهي والتجمعات ووسائل التواصل الاجتماعي يعلو فوق صوت كرة القدم وأخبار كأس العالم.

فأردت أن أجعل الكتاب الذي أقرؤه في هاته الفترة متعلقًا بكرة القدم وبدأت البحث في مواقع الإنترنت لأصادف هذا الكتاب، الذي قيل عنه أنه خير ما كتب في كرة القدم وتاريخها، وبعد قراءتي للكتاب أبصم بكل أصابع يدي العشرة على صحة هذا الكلام، فليس هنالك من كتب عن تاريخ كرة القدم بهذا الأسلوب الممتع والبديع أبدًا، فكل من كتب عن تاريخ الكرة كان قد كتب عنه بأسلوب جاف وواقعي ممل كمثل كتب التاريخ المدرسية، بحيث استهل إيدواردو كتابه بهاته العبارة الجميلة «منذ كنت صغيرًا، حاولت أن أكون لاعب كرة قدم. لا زلت اللاعب رقم واحد، أفضل الأفضل، ولكن فقط خلال أحلامي. بمجرد أن أستيقظ، أقر بأن لدي ساقين متخشبتين، وأن لا خيار آخر لي سوى محاولة أن أكون كاتبًا». كيف لا يعشق الكرة وهو من أمريكا اللاتينية حيث عشق الكرة يتجاوز حدود السماء، فصحيح أن الإنجليز هم من اخترعوا الكرة، لكن اللاتينين هم من صقلوها وأبدعوا في لعبها وفي حبها.

يتحدث غاليانو في كتابه هذا بأسلوب جميل وساخر عن كل ما يتعلق بكرة القدم من اللاعبين والحراس والحكام والمديرين والمشجعين والملاعب، ثم يبدأ في الحديث عن تاريخ كرة القدم ويصف أحداثه بأسلوب سينمائي، فتحس أن تلك الأحداث التي يصفها لك تمر من أمام عينيك عبر شريط سينمائي تتمنى ألا ينتهي بتاتًا، لكن مع الأسف ينتهي ويتوقف في نسخة 1994 من كأس العالم.

بيد أن الكتاب كتبه غاليانو في سنة 1995، فكان أشبه برحلة عجيبة عبر محطات كرة القدم وبطولة كأس العالم في سنين شتى، فرقصنا مع جماهير ملعب ماركانا بعد الهدف الألف للأسطورة الكروية بيليه، وبكينا معهم في خسارة كأس العالم الشهيرة بمونديال 1950 أمام الأوروغواي، واستمتعنا بمراوغات دييغو أرماندو مارادونا في مونديال 86 وهدفه المثير للجدل بيده ضد المنتخب الإنجليزي، وضحكنا على هدف جيوسيبي ميازا من ركلة الجزاء ضد البرازيل عندما سقط سرواله قبل تنفيذه الركلة، لقد تمكن الكاتب من تحريك مشاعرنا تجاه هاته الرياضة، وجعل الحب الذي نكنه لها ويخامرنا تجاهها يضطرب ويختلج ويزيد هيجانه، فكرة القدم ليست مجرد لعبة أو رياضة، هي أكبر من ذلك بكثير، هي محفز للدوبامين في أجساد الفقراء والأغنياء على السواء، هي ملاذنا الآمن والمريح.

أكثر ما يلفت انتباه قارئ الكتاب هو طريقة الكاتب في استفتاح الحديث عن كل نسخة من كأس العالم بذكر أشهر الأحداث السياسية والثقافية والاجتماعية التي شهدها العالم في العام الذي الموافق  لتلك النسخة، فذكر مثلا استقلال الجزائر عن فرنسا في مونديال 1962 وعن حرب أمريكا في الفيتنام في مونديال 70 وعن كارثة المفاعل النووي في تشرنوبيل في مونديال 86.

كما أن أحد طرائف الكتاب الجميلة هي إعادة الكاتب لهاته العبارة «مصادر شديدة الاطلاع في ميامي تعلن أن سقوط فيدل كاسترو صار وشيكًا، وأن انھياره ھو مسألة ساعات فقط»، في كل حديث عن نسخة من نسخ كأس العالم التي كانت بعد زمن نجاح ثورة  كاسترو وسقوط باتيستا، أيضًا تحدث كثيرًا عن التحول الذي شهدته رياضة كرة القدم في تاريخها من  لعبة للمتعة والاستمتاع إلى صناعة ينتج عنها أعداد هائلة من الأموال والأرباح، وكيف صارت الفيفا أحد أقوى وأغنى المنظمات غير الحكومية في العالم، وكيف صارت كبرى الشركات العالمية تتنافس من أجل الفوز بحقوق بث المباريات والبطولات الكبرى، ناهيك عن الفساد الذي صار ينخر جسد عالم كرة القدم والفضائح الكثيرة التي شهدها خاصة في أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة، الأمر الذي أثار استياء غاليانو وحنقه وأسفه على ما آلت إليه أوضاع الرياضة الأكثر شعبية في المعمورة في الوقت الراهن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد