“قطعًا لأنهم تافهون”، “بل لأن كرة القدم رياضة حماسية”، أو نتابعها بشغف “لما المنتخب بيلعب”، بل “إنني أستمتع عندما أرى فريقًا منتصرًا”، “أهي حاجة بتلهي الناس”.

تدل هذه الردود السابقة على محاولات مختلفة لتفسير أسباب تعلق الناس بهذا الشيء الكروي الصغير، أو بتلك الساحرة المستديرة. ومهما كانت هذه التفسيرات – والتي سنناقشها بالتفصيل – صائبة أو مجرد اجتهادات بعيدة عن الحقيقة، فمن الخطأ الفادح أن نوجزها جميعًا في رأي واحد فقط، أي نقول “أن عشاق الكرة تافهون وفقط” كما يقول البعض، وذلك لأن حصر الموضوعات الكبرى في تفسير واحد يغفلنا عن العديد من التفاصيل الهامة، والتي تساعدنا على فهم تلك الموضوعات والوعي الكامل بها، خاصةً إذا كان عن شيء يتعلق به ملايين من البشر.

والآن دعنا نطرح بعض الإجابات عن سؤال “لماذا يعشق الناس كرة القدم؟”، والتي أدعوك لاعتبارها دعوة لطرح مزيد من الإجابات من جانبك. ونستطيع تقسيم تلك الإجابات في هذا المقال إلى تفسيرات مشتركة بين عشاقها جميعًا، وإلى تفسيرات أخرى خاصة بمجتمعات بعينها، وتحديدًا مجتمعاتنا العربية البائسة.

 

الرغبة في الدخول في منافسة وربحها

 

 

كرة القدم تحقق للشغوفين بها فرصة الدخول في المنافسة بتشجعيهم لفرقهم المفضلة، وتبني بداخلهم رغبة عارمة في الانتصار، حيث أن الانسان بوجه عام يحتاج إلى اختبار مدى قيمته وقوته، وذلك بالانخراط في منافسة وتحدٍ، ونتيجة هذه المنافسة هي التي تحدد نسبة قوته وتبرز مكانته بين الآخرين، فالمنتصر قوي والمهزوم ضعيف. ولا يمكن لإنسان أن يصف نفسه بأي من هاتين الصفتين إلا بعد الانخراط الفعلي في منافسة شرسة يشهدها الآخرون.

والحقيقة أن مُشاهد كرة القدم لا ينال من هذه المنافسة والانتصار إلا ربحًا ضئيلًا جدًا، فالمشجع مهما كانت درجة حماسته وولائه لفريقه، فإنه لا يدخل تاريخ بطولات هذا الفريق بشخصه، ولكن كل ما يشبعه إنما فقط إرضاء ذاتي وإشباع داخلي خاص به هو وببعض أصدقائه وحسب. كما أنه قد يفهم المنافسة بشكل خاطئ، فيتوقع أنه إما أن يكسب أو أن يكسب، ولا يقبل الهزيمة بأي حال، ولعل هذا ما يفسر لنا سبب نشأة العداء والحروب بين المشجعين والأندية أيضًا.

 

دافع الانتماء

 

 

كما يشترك عشاق الساحرة المستديرة أيضًا مع غيرهم في دائرة واسعة تضم العديد من الناس وهي “دائرة الانتماءات”، فالناس تتابع بشغف منتخبات وأندية بلادها عندما تواجه فرقًا من بلاد أخرى، وخاصةً لو كانت هذه الفرق تخوض مبارايات هامة. فالعشق هنا لا يتمثل في الكرة، ولكنه يتكون ويلتهب مع عزف النشيد الوطني، ورفرفة راية البلاد في سماء الإستاد.

ولعل متابعة الناس لفرق بلادهم بدافع الانتماء يعد شيئًا إيجابيًا، ولكن لا ينبغي أن نرضى بهذا النذر اليسير من الانتصارات، أو أن يحقق ذلك فينا شيئًا من الإشباع والرضا، فكُرة القدم مجرد رياضة تدخل ضمن العديد من المجالات التي يجب أن نسعى للانتصار فيها (على المستوى الوطني)، فإن نجح هؤلاء اللاعبون في تأكيد انتمائهم في مجالهم، فلا يُحسب لنا أننا قد نجحنا في مجالهم بأننا كنا مشجعين أوفياء ومتحمسين.

 

عوامل نفسية

 

 

وربما ينطبق ذلك على المشجع العربي بوجه خاص، والذي ينشغل بمتابعة مباريات كرة القدم للأسباب السابقة وزيادة عليها أسباب أخرى نفسية واجتماعية لا يمكن إغفالها، حيث تعد العوامل النفسية والاجتماعية عنصرًا أساسيًا لتفسير إدمان شيء أو العزوف عن شيء في مجتمعاتنا العربية، وذلك لأن أحوال الشعوب العربية قبل ثوراتها وبعدها في حالة تردٍّ وتشرذم وانكسار جراء أكوام الفساد الملقاة على رؤوسهم، وعليه فإن تعلق المشجعين العرب بكرة القدم له أسباب نفسية قد تتمثل في توزيع أدوار بشكل رمزي مثل تقسيم الفرق، ففريقي يمثل طموحاتي وأحلامي الهائمة، والفريق المنافس يمثل متاعبي ومشكلاتي التي أسعى إلى الانتصارعليها.

ويرمز الهدف (الجول) إلى خطوة نحو الانتصار وانفراج الهموم، أما الهدف العكسي فيرمز إلى فشل جديد أو مشكلة جديدة. وبعد نهاية المباراة أوالبطولة يكتشف ذلك الطامح أنه عارٍ عن الرموز، وليس أمامه سوى واقع مؤلم، فيبحث عن بطولة جيدة حتى ولو لفرق مغمورة.

 

 

وأخرى اجتماعية

 

 

وعن الشق الاجتماعي، فإنه يمثل موقفًا مشابهًا للعامل النفسي ولكن بدون رموز، وعنوانه الرئيس هو “الانشغال” بهَم بدلًا من هَم آخر أكبر، حيث يضع (المشجع) حسابات المكسب والخسارة والنقاط وتقسيم المجموعات بدلًا من حسابات مصروفات البيت ومشكلات العمل وخلافات العائلة، أي أنه يختار العيش في واقع آلامه أخف وطأة من واقع آخر، فالأول يحتمل أن ينتهي بنهاية سعيدة، أما الثاني فلا أمل في نهايته بشكل جيد (أو يظن صديقنا ذلك)، وبالتالي فموقف المشجع في هذه الحالة يتعدى مجرد الانشغال إلى مرحلة الهروب وتعمد اللامبالاة.

 

وأخيرًا

 

وأخيرًا فإن كرة القدم رياضة رائعة، خاصةً إذا مارسناها بأنفسنا وتذوقنا طعم الروح الرياضية والانتصار بأنفسنا. ولكن حتى إن لم نستطع تحقيق ذلك، فإننا نراه في مشاهد أكثر من رائعة تتسم بالإنسانية والنُبل، وذلك في مقابل مشاهد العنصرية والعدوانية والإجرام. فمن الأولى أن نأخذ منها ما يجعلنا سعداء وراضين عن أنفسنا، والأهم من ذلك أن نسعى إلى أن نُعَرِف العالم بنا، ولكن ليس كمشجعين أو حتى كضيوف على دكة البدلاء، ولكن كأساسيين في مجالاتنا التي نحترف فيها ونستطيع أن نضع أهدافًا وأن نحقق بطولات فيها مثل هؤلاء اللاعبين المشاهير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد