انتفضتُ من مَضجعي مُرتعبًا بعد منتصف الليل على إثر هدير طلقات نارية حيّةٍ متتالية وأصوات انفجارات مدوية مرعبة، فضلًا عن زعيقٍ وصياحٍ لا يكاد ينتهي، تَلتها سيول من السباب والشتائم المتبادلة بين الجموع الهادرة والتي كانت ترتقي ظهور وأسقف سيارات مسرعة مستنفرة وكأنها تفر من قسورة، مطلقة كل الأصوات الممكنة وغير الممكنة! كل هذه الأجواء الغريبة المرعبة بدأت بُعيد منتصف الليل، أقضت مضجعي وربما مضاجع كثيرين آخرين حتى قُبيل فجر ذلك اليوم، وقبل أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود تبين أن كل هذه المظاهر الغريبة المفزعة المخيفة والمقززة أحيانًا كانت فقط لأن فريق كرة محليًّا في بلد يبعد عن بلدي آلاف الأميال قد فاز على نظيرٍ له من البلد ذاته في مباراة محلية! والمدينة التي أعيش فيها مدينة صغيرة تقبع في واد محاط بجبال عالية من أربع جهاته في منطقة نائية لم يسمع باسمها كثير من أهل بلدي فضلًا عن بقية العالم! وربما ليس في لاعبي الفريقين المتنافسين من البلد البعيد من سمع باسم بلدتي هذه!

وفي الصباح الباكر خرجت إلى عملي متعبًا من قيام الليلة الماضية ساهرًا على أصوات الاحتفالات النكراء، لاجد أن أحداث ليلة أمس لها امتداد! وأجد الجدال العام المعهود كل يوم عن غلاء المعيشة والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يمر بها بلدي قد نُسيَ كله وانحسر وأزيح جانبًا لموضوع واحد أجمع عليه الجميع، وهو الحادث الجلل الذي حدث ليلة أمس وأحدث ذلك الزلزال الرهيب في بلدتنا الصغيرة المغمورة! وكالعادة انقسم الموجودون إلى عُصبتين يؤيد كل منهما أحد الفريقين المتباريين مدافعا كلٌ منهم عن كل حركة وسكنة أحدثها لاعبو فريقه للكرة ليلة أمس! ثم تطور سرد ذكريات اللعبة إلى نقاش ومن ثم سجال أعقبه صياح امتد إلى خصام كادت أن تشترك فيه الأيدي وغيرها، إلا أن تدخل مدير القسم أفضى دون ذلك! رغم أنه اتهم هو الآخر بأنه ما فعل ذلك إلا تغطيةً على خسارة فريقه ليلة أمس!

ومثل هذه الأحداث تتكرر باستمرار وبأشكال متغايرة متباينة في تأثيراتها السيئة على حياة الأفراد والجماعات. ولا أنسى إن نسيت، ما حصل لغير واحد من أصدقائي أثناء الدراسة الإعدادية بل لجمعٍ منهم -قبل سنين كثيرة- في الاختبارات النهائية المصيرية للمرحلة الإعدادية والتي وافقت نهائيات الألعاب الأولمبية حينها، إذ قام هؤلاء الطلبة بتأجيل عدة امتحانات إلى الدور الثاني! علمًا أن كل مادة تؤجل كان يُنقص من درجاتها في الدور الثاني خمسُ درجات! وكان مثل ذلك الإجراء يؤثر على قبولهم في الجامعات بشكل كبير، أي أنهم قرروا تغيير مصير مستقبل حياتهم (إلى الأسوأ على الأغلب) فقط لأجل متابعة مباريات واحدة لكرة القدم لفريقهم المحبوب!

ويتبين من البحث عن أصل لعبة كرة القدم (المقدسة) هذه أنه يرجع إلى «رياضة قديمة مورست في الحضارات القديمة بوحشية ظاهرة، فكان المهزوم في اللعبة عند الصينيين يضرب بالسياط ويكوى بالنيران!  والإنكليز كان يلعبون برؤس خصومهم المقطوعة بدل الكرة، هذا وهم أول من اخترع اللعبة بصيغتها الحالية، ولعبوا عام 1016 مبارات بينهم براس جندي دانماركي مقتول في حربهم مع الدانمارك! ومثل هذه الأحداث حدت بملك الإنكليز هنري الثاني عام 1154 بإصدار قرار بحظر ممارسة اللعبة ومعاقبة المخالفين! وبعدها كرر الملك إدوارد الأول منع اللعبة سنة 1314 بسبب انصراف الشعب الإنجليزي عن تعلم فنون الرمي بالسهام للعب الكرة! ومنع هنري الرابع اللعبة عام 1410 بحجة خسارة إنجلترا الحرب أمام فرنسا وبلجيكا بسبب لعب الكرة! وبهذا يكون ملوك إنكلترا هم أكثر من عادى اللعبة ومنعها بحجة ما فيها من الأضرار وضياع الوقت والمال والجهد، هذا رغم أنهم أول من اخترعها.

واليوم تُعدُّ هذه اللعبة الشغل الشاغل لممارسيها ومتابعيها ومشجعيها بشكل يؤثر بشدة في قراراتهم اليومية والمصيرية ويحدث تغييرات أساسية في مستقبلهم، وقد أجريت دراسة بعنوان: (التأثير النَّفسي والعقلي لكرة القدم على المشجِّعين) شملت 2000 مشجع كرة قدمٍ إنكليزيٍّ، يشجعون مختلِف أنديَة الدوري الإنكليزي، ووصلت الدراسة إلى أن المشجع يفكر  في كرة القدم ومباريَاتِها بمعدَّل مرة كل 12 دقيقة، اي بمعدل 80 مرة في اليوم الواحد، وبها تكون هذه اللعبة أكثر ما يشغل عقول مشجعيها طوال يومهم!

ومن جانب آخر، كثيرًا ما أثار انتباهي صرف شبكات التلفزة والإعلام في كل بلدان العالم بفقيرها وغنيها قدرًا كبيرًا من وقتها في مواضيع الرياضة وألعابها وأخبارها عمومًا ولعبة كرة القدم خصوصًا، ولا يبدو أن تلك القنوات اتفقت على نشر شيء قدر اتفاقها على نشر هذه الألعاب وأخبارها! وإذا علم أن سعر الوقت المصروف في كل قناة من هذه الشبكات يكلف مبالغ طائلة لكل ثانية، فكيف بساعات تقضيها هذه القنوات كل يوم في وصف مباريات كرة القدم مثلًا والترويج لها ووصفها وتحليلها وغيرها. ويكفي للاستدلال على ما أثّرت به هذه الآلية المشبوهة في تثقيف جموع جماهير المجتمع، معرفةُ أن في كثير من بلادنا لا تكاد ترى طفلًا لا يجيد حفظ أسماء عدد كبير من لاعبي الكرة من أصقاع المعمورة، في حين تراه لم يسمع باسم أحد علماء بلده الذين يعرفهم الكثير في أصقاع العالم الأخرى. وتُراه أيضًا يجيد معرفة أساليب كثيرة للعبة الكرة وتكتيكاتها، يشرحها بكل دقة بأسمائها ومسمياتها الأجنبية، في حين لا تراه يعلم أو لا يذكر شيئًا عن نظرياتٍ علمية مشهورة رغم أنه قد درسها في صفوفه الدراسية وامتحن فيها.

والغريب في الأمر أنك حين تناقش أحد المهووسن بهذه اللعبة حول خطورة ما يفعل، فإنه يجيبك فورًا أن أكثر دول العالم تطورًا تفعل الأمر ذاته! جاهلًا أو متناسيًا أن تلك الدول تقدمت على بلده في كل شيء تقريبًا وأن شعوبها تتفوق على شعبه في أغلب معايير التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والعسكري…إلخ. وإن أبناء تلك البلاد يقرؤون عشرات الكتب كل عام في المعدل في حين لا يقرأ هو وأبناء جلدته إلا دقائق معدودة أسطرا أو صفحات تعد على أصابع اليد كمعدل سنوي! هذا إذا كان قد نجى من شباك الأمية التي تلف الملايين من أبناء بلداننا! ويعلم المتابع الحصيف أن تلك الدول لا تروّج لتلك الألعاب إلا مصدرًا لدرّ المال من جهات متعددة تستجلب وتستسرق به المليارات من جيوب السذج في أرجاء المعمورة. فهذه المباريات تستثمر لاستغلال جيوب متابعيها (فضلًا عن وقتهم وجهدهم وصحتهم وعلاقاتهم الاجتماعية) بكل شكل ومن كل جهة، ابتداءً من الإعلانات في ساحات الملاعب وألبسة اللاعبين ومرورًا ببيع حقوق عرض الألعاب في قنوات الرياضة ومبيعات الألبسة والمستلزمات الرياضية المرتبطة بإعلانات هذه الألعاب، وانتهاءً ببيع اللاعبين أنفسهم بين الأندية، والمتاجرة بالعشرات من الأمور التي تجوز المتجرة أو لا تجوز! وكل ذلك لأجل فائدة حفنة من المسيطرين العالميين على شبكات هذه الألعاب وأنديتها.

هذا فضلًا عن الفساد المستشري في كثير من تعاملات هذه اللعبة وإدارات مواردها ومرابحاتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر يتضاعف التداول في عالم المراهنات كل الأنفاق على لعبة كرة القدم وعلى المونديال نفسه، ويرى خبراء الفيفا أن سوق المراهنات تدر سنويًّا 350 مليار دولار! 100 مليار منها هي من مراهنات غير مشروعة! وحسب مصادر أخرى متضاربة، يتجاوز سوق المراهنات الرياضية العالمي التريليون دولار سنويًا ونسبة 70% منها لكرة القدم وحدها. هذا فضلًا عما تؤثر به تلك المراهنات في مجريات الألعاب العالمية والدولية والمحلية في جميع أنحاء العالم.

وفيما يخص مضّارها الصحية، فإن هنالك دراسات كثيرة أخذت تطل برأسها تشير إلى أن المدمنين عليها يتعرَّضون إلى اضطرابات في نبض القلب بسبب تعلُّق القَلب وتركيز المتفرج في اللعبة، ويؤدي التوتر الَّذي يشد اللاعبين والمتفرِّجين، على حد سواء، إلى زيادة مخاطر الجلطات الدمويَّة، وارتفاع مُريبٍ في عدد دقَّات القَلب وضطراب نبضاته، وإلى ارتفاع ضغط الدَّم وزيادة مشاكل القَلْبِ والدَّورة الدمويَّة  عمومًا عند الكثيرين بشكل ظاهر! وظهر أن شعور الفرح بالنصر أو حسرة الهزيمة، يمكن أن تؤثر في عمل نظام القلب والأوعية الدموية -باحثون من الأكاديمية الملكية الغربية في كندا-. ويزداد معدل نبضات القلب لدى الجماهير التي تتابع المباريات على التلفاز، بنسبة 75%، وبنسبة  110% لدى نظرائهم ممن يتواجدون في مدرجات الملعب فعليًّا، وظهر أن مرضى الشريان التاجي هم الاكثر عرضة لحدوث مضاعفات خطيرة عند مشاهدتهم للعبة.

هذا بالنسبة للمتابعين، أما الممارسون لها من عامة الناس فإنني -ودون الحاجة إلى الاستدلال بالدراسات والأبحاث- رأيت بأمّ عيني الكثير من زملائي ومعارفي أصيبوا بعاهات مؤقتة أو مستديمة، بسبب ممارستهم الشغوفة للعبة الكرة، فمنهم من ارتج دماغه بسبب سقوطه على الأرض أو بسبب ضربة رأس للكرة العنيدة، ومنهم من كسَر رجلَه أو لوى كاحله أو لوى ركبته فهو يعرج بها من سنين! هذا فضلًا عن إصابات الظهر والرقبة واليدين والأذرع! ولا يكاد يسلم جزء من الجسم في هذه الرياضة التي لا تجاوز الحد إن وصفناها بالعنيفة! ولعل مثل هذه المواقف والإصابات والانتكاسات هي مما يُردّ به على من يبررون لعبها وممارستها بكونها رياضة، وشتان بين الرياضة واللعبة، فهذه لعبة مصممة بدقة لأغراض محددة ليست الرياضة إلا غرضًا ثانويًّا لها وربما عرضيًّا، وهناك الكثير من الرياضات التي لا تغني عن هذه اللعبة فحسب، بل إنها أفضل منها لأسباب كثيرة يضيق بذكرها المقام والمقال.

وعلى الصعيد الاجتماعي، تزيد اللعبة من الانقسام الاجتماعي والاثني والطائفي بشكل واضح وتصعد الازمات بين أفرادها، فمثلا يتجلى اثر الانقسام العقدي بين الكاثوليك والبروتستانت في الملاعب،  ويتكرَّر هذا مع إسكتلندا بين «سلتيك» النادي الكاثوليكي و«رونجرز» البروتستانتي الَّذي تنتهي غالبًا مباريَاتُهما باصطدامات عنيفة! وهذا ما يحصل في كثير من بلدان القوميات والثنيات والمذاهب المتعددة باستمرار، بل إنها تنزل إلى التأثير في العلاقات بين المدن بل وقطاعات المدن حين تتنافس فرقها في هذه اللعبة! حتى إنها أصبحت أساسًا للتمييز الاجتماعي.

فالسؤال عن الفرق الذي تشجعه من الأسئلة الأولى في بعض الاستجوابات التعريفية بالشخصية، ومن أهم الأسئلة التي قد يأتي جوابها بتبعات وخيمة في العلاقة بين المستَجوَب والمستَجوِب إذا خالف الفريق الذي يشجعه المستجوَبُ فريق مستجوِبـِه! فقد يُحرم من وظيفة أو منصب لأن صاحبه لا يستريح للفريق الذي يشجعه، وقس على ذلك.  وقد يجهل هؤلاء المشجعون المتنافسون أو يتجاهلون أنهم حين يهَبون عقولهم وقلوبهم لتلك النوادي فإن معظم تلك النوادي تملك ارتباطات سياسية واقتصادية واجتماعية وثيقة مما يعطي بعدًا  وسببًا آخر للعداوات والمنافسات بينها لا ترتبط بحال من الأحوال بمصالح مشجعيها الفردية أو الطائفية أو الإثنية، في حين ينجرف المشجعون المساكين في جميع أنحاء العالم وراء تلك المنافسات بإخلاص منقطع النظير مسترخصين ومستقلين في سبيل ذلك كل غال ونفيس ابتداءً براحة أجسادهم وانتهاءً بسلامة عقولهم!

من هنا بات السؤال واردًا وممكنًا، هل يمكن أن يكون لكل تلك المضار المترتبة عن الانجراف وراء لعبة مشبوهة مبررات معقول؟! وما هي المنفعة المهمة التي يمكن أن يجنيه الفرد من ذلك الانجراف؟ وما هي الفائدة التي يمكن أن تعود على المجتمعات من هذا الانزياح الجماهيري وراء كل ماله علاقة بهذه اللعبة؟! ومن ناحيتي ومن خلال تجاربي البسيطة في الحياة رأيت الكثيرين من الذين أشبعوا حياتهم اهتمامًا بهذه اللعبة متابعة وممارسة لم ينتفعوا بشيء إطلاقًا، لا بل إنهم تضرروا كثيرًا أو قليلًا. وأقلّ ما في الضرر خسرانهم لفترات طويلة من أعمارهم الذي هو رأس مال حياتهم في متابعة هذه اللعبة النكود الكؤود، وفي المقابل لم أر إطلاقًا أي واحد قد تضرر بسبب عدم متابعته لهذه اللعبة أو عدم ممارسته لها! وعلى المقياس الكبير (العالمي) لو حسبنا عدد الساعات التي يقضيها مليار (على أقل تقدير) من سكان الكوكب في متابعة مبارات واحدة مشهورة كنهائيات كأس العالم مثلًا، فإن هذا يعني خسارة ملياري ساعة من العمل أو القراءة أو العلاقات الاجتماعية أو النوم والراحة على أقل تقدير. فكيف بهم وهم يتابعون عشرات المباريات كل عام ويتابعون أخبار الرياضة والكرة كل يوم ويصرفون الأموال بسخاء على قنوات الرياضة وجرائدها ومجلاتها، ويقضون الساعات في مناقشات عقيمة حول سبب خسارة فريق أو ربح الفريق الآخر، وهلم جرا!

فما الأهمية المرجوة إذن من كل هذا الاهتمام المهول؟! ما الأهمية المرجوة من كل هذا الاهتمام بلعبة مصممة أصلًا لاستغلال مجموعة مهمة من غرائز الإنسان الأساسية والثانوية وتوجيهها باتجاه الإدمان عليها وعلى كل ما يتعلق بها بشكل مؤثر في المجتمعات البشرية عمومًا والمجتمعات المتأخرة والمتخلفة بشكل أكثر وضوحًا. وهل أن ما يحصل هو انشغال بريء لملايين من البشر برياضة نافعة مفيدة، أم إنها إشغال مشبوه لهم بلعبة تكاد تأتي على مسقبل الكثير منهم شعوبًا وبلدًا أو أفرادًا على أقل تقدير؟!

بقي أن نقول إن القارئ الكريم لهذه الأسطر قد يُضمِر اتهام كاتبها باتباع نظرية المؤامرة في سوقه لكل هذه المخاوف من اشتداد الاهتمام بهذه اللعبة. وأقول له بكل احترام: إن كان هنالك خلف كل هذا الاهتمام بهذه الألعاب وما تؤثر به على حياة الناس مؤامرة أو مؤمرات محاكة من أعداء مغرضين خلف الكواليس أو أمامها، فتلك مصيبة بطبيعة الحال، ولكن المصيبة الأكبر بل الكبرى برأيي هي إن لم يكن هنالك مؤامرة خلف كل ذلك الاهتمام والإشغال، أي أن الناس على اختلاف أجناسهم وبلدانهم يسعون خلف كل هذه المساوئ بمحض إرادتهم وبملء قراراتهم! وبحسن نيتهم إن جاز التعبير! فان كانت مؤامرة فتلك مصيبة، وإن لم تكن مؤامرةً فالمصيبة أكبر!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!