إن الكرة تمثل أحيانًا المنفذ الوحيد لكثير من البشر  من روتين الحياة اليومية. فتراهم يندمجون في تلك اللعبة المثيرة وتتعالى صيحاتهم بالنشوة أو تتدفق دموعهم من الحزن. لكن هل فكرت في أبعاد أخرى؟ كيف إن تحولت تلك اللعبة من وسيلة للمتعة إلى وسيلة للربح وهدر الإنسان. وسيلة لهرب الإنسان من واقعه. كيف تحولت إلى دين جديد لملايين من الشباب الذين يفتقدون القيمة في مجتمعاتهم والذين يبحثون عن مجد الشهرة والمال في تلك اللعبة.

ما تاريخ كرة القدم؟

هناك نوعان من ألعاب كرة القدم وُثِّق وجودها تاريخيًّا في أوروبا وهي: إيبسكسروس، من اليونان القديمة وهارباستوم، التي ظهرت خلال العهد الروماني. وكِلتا اللعبتين تشبهان كرة القدم التي يتجمهر عليها الناس وهي غير مسجلة، وتُلعب فيها كرة القدم بحملها باليد أكثرَ منها بركلها وهناك العديد من المنافسات القديمة التي تقوم حول ركل كرة في عدد قليل من البلدان، مثل التسوجو في الصين. وهناك أيضًا ألعاب مشابهة ولكن غير تنافسية مثل الكيماري في اليابان والووغاباليري في أستراليا. تعتمد القوانين الحديثة لكرة القدم على الجهود التي بُذلت في وسط القرن التاسع عشر لتوحيد الأنواع المختلفة لكرة القدم التي كانت تُلعب في مدارس إنجلترا المحلية. يعود تاريخ كرة القدم في إنجلترا إلى القرن الثامن على الأقل.

يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتاب سيكولوجية الإنسان المهدور: 

«إن مباريات كأس العالم هي أفصح مثال على هذا الدين الكروي الجديد. فهي تشكل مهرجانًا كونيًا بكافة الأبعاد، بفض البث الحي. فتطلق حماسًا منقطع النظير، وتخلق حالة من اللقاء الإنساني والشراكة الكونية. وتتحقق في تلك المباريات إنجازات غير مسبوقة متفوقة، تكشف مدى القدرات الإنسانية مجسدة في التعاون بين أعضاء الفريق الواحد، والروح الجماعية منقطعة النظير التي تشكل شرط هذه الإنجازات. فخلال هذه المباريات تتحول الكرة الأرضية ذاتها إلى كرة قدم. فقد أصبحت هذه المباريات أهم محطة إعلانية على الإطلاق في القنوات الفضائية.  وتحتل الكوكاكولا مركز الصدارة في رعاية المباريات، مروجة بذلك لمشروبها الذي يُقدم على أنه مشروب الإثارة والمتعة والقوة عند الشباب، من خلال نظرية الاقتران الشرطي بين زجاجة الكوكا والكرة الساحرة. وهي نظرية طورها عالم النفس الروسي بافلوف». 

ويكمل الدكتور حجازي فيقول إن هذه الرياضة الكونية أصبحت ملتقى كل الشعوب بعيدًا عن كل النزاعات والحروب، فتشكل تلك المباريات لحظة استعادة الذات، في تجربة جماعية فريدة تدخل التوازن إلى النفوس المعذبة بالغربة والقهر والهدر والتهميش، لكن الخطر حين يتم اختزال الهوية الوطنية في «النحن الكروية».

كرة القدم والمال

لقد تحولت كرة القدم إلى مشروع تجاري كوني ذي رقم أعمال يكاد ينافس تجارة النفط. إنها صناعة تدر مئات مليارات الدولارات، مما يتجاوز الميزانية الوطنية لبعض البلدان المتقدمة تكنولوجيًا: من خلال أسعار الدخول، والبث، والثياب، والأدوات، والإعلانات، التي ما تفك أرقامها تتصاعد. تحولت كرة القدم إلى صناعة في الغرب، فكل شيء متعلق بها عبارة عن تجارة تدر أسهمها في البورصة أرباحًا طائلة، فأسعار النجوم تتجاوز ميزانيات جامعات عريقة.

وهناك أيضًا السوق الدولية: إضافة إلى المدربين والمديرين، كل من المذيعين والمعلقين والمحللين والنقاد، وهناك بعض الألفاظ المستخدمة لها دلالات نفسية مثل «الضربة الصاروخ» للدلالة على القوة التي لا ترد، ومصطلح «النتيجة العذراء» ومما يحمله من مشاعر الخيبة مما يحيل إلى هوام العجز الجنسي والخصاء.

ظواهر الشغب والتماهي

ظواهر الشغب والعنف التي تنفجر أحيانًا في بعض الملاعب أو المباريات تشير إلى حيلة الإزاحة اللاشعورية، فهي تزيح الإحباطات الوجودية من مواقعها الأصلية إلى مواقع الملاعب والمباريات، فما معنى ثورات الغضب العارمة لخسارة الفريق الوطني؟ أو استقبال مدرب الفريق وأعضائه بعد الفوز كأنهم أبطال التحرير؟ تكاد قضايا الفريق الوطني تختزل قضايا الوطن كلها، بل تطمسها حيث يكاد يتحول انتصاره إلى ما يشبه الانتصار في معارك المصير.

أوليس لافتًا للنظر تصوير الانتصار في المباراة وكأنها إنجازات وطنية للنظام السياسي، مما يدفع أصحاب السلطة من رجال الأعمال في التباري في رعاية الفريق الوطني. في بلاد الهدر يبرز من بين الكتل الشبابية المهمشة نجم أو أكثر يتمتع بالقدم السحرية، ويقفز فوق عالم البؤس إلى عالم المجد والمتعة وتحقيق الأحلام. كم من الشباب تخدر عجزها الوجودي في لعبة كرة القدم. أوليس ذلك هو الحلم المتبقي لمن لا حلم لهم.

ذلك هو الدين الجديد الذي يدواي الهدر الفعلي، فليس غريبًا إذًا أن تصبح الفيفا أكثر شهرة من اليونسكو، ونجوم الكرة أكثر شهرة من العلماء والمفكرين والفنانين، وأن تصبح رعاية الفريق الوطني أم إنجازات الحاكم، التي تعطيه مشروعيته. وليس غريبًا أن تجد في بلادنا أن مثل الشباب الأعلى يكون لاعب كرة قدم شابًا مثلهم. فتجد الجميع يطمح أن يكون مثله، وتستغله شركات الدعايا للترويج لمنتجاتها تضعه هدفًا نصب أعين الشباب المهمش، وتجعل هذه الجحافل تشتري المنتجات لأن عليها صورة ذلك النجم أو أي شيء لة علاقة به، وأحيانًا تعلن عن هدايا عند شراء منتجاتها لها علاقة بذلك النجم أيضًا في مغالطة منطقية واضحة.

كما يقوم النظام السياسي باستخدام اللاعبين ونفوذهم إلى القلوب، في الترويج لبضاعته وتجميل صورته والدفاع عنه أحيانًا، وحث بعض المواطنين على القيام بأفعال معينة تخدم النظام عن طريق قيام هؤلاء النجوم بها. لا يترك المسبتد فرصة إلا واستغلها لتجميل صورته، فعندما يخسر الفريق الوطني تجده الأب الحاني الذي يدعمهم ويثق بهم. في المباريات الهامة يكون موجودًا، على أرض الملعب يكون شعار المسبتد موجودًا وفي المدرجات موجودًا تكون صورته حاضرة دائمًا في كل مكان. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ويكيبيديا
كتاب سيكولوجية الإنسان المهدور - مصطفي حجازي
عرض التعليقات
تحميل المزيد