لا شكّ أنَ كرة القدم كما نعرفها اليوم قد أضحت غير كرة القدم التي عرفها أسلافنا، ففيما مضى كانت الكرة تلعب بهدف اللعب فينطلق في ملاحقتها الناس من شتَّى الطبقات، سواء كانوا عمّالًا يبحثون عن المتعة والترفيه بعد يوم عمل طويل أو مجموعة من البورجوازيين يلاعبون الكرة بهدف قتل الملل فيهرولون تارة جريًا وراء الجلد المدور، ويتفنّنون أخرى في مداعبة الكرة، وترويضها بوضعيات مختلفة، لكن بين الأمس واليوم تغَّيرت الأشياء لتضحي ملاعب الكرة مسرحًا يضبط حركات رجل الاقتصاد ويتحكم في أجوائه ومؤثراته رجل السياسة لتنطبق عليها حرفيًّا الجملة الشهيرة «أكثر من مجرّد لعبة».

الجلد المدوّر يساهم في تدوير الاقتصاد

تحتلّ كرة القدم مكانة ثابتة في عالم المال والأعمال فالمبالغ الضخمة التي يقع ضخّها من أجل جعل الاستعراض الكروي أكثر متعة أضحت جزءًا لا يتجزأ من اقتصاديات بعض الدول كإسبانيا التي تساهم فيها كرة القدم بحوالي 0.75% من الناتج الداخلي الخامّ لتقدر مساهمة كرة القدم بحوالي 2.8 مليار يورو وكذلك فإنّ المونديال الأخير الذي أقيم سنة 2018 بروسيا من المتوقع أن يقوم بتعزيز نمو الاقتصاد الروسي بـ3 مليارات دولار سنويًا على مدى خمس سنوات حسب دراسة أجراها الاتحاد الدولي لكرة القدم، فلاعب اليوم إذًا هو غير لاعب الأمس، فقد أضحى للجري وراء الكرة ثمنه، بل أضف إلى ذلك أن مهام اللاعب على ملعب كرة القدم لم تعد تقتصر على الجانب الفنّي والبدني والتكتيكي، بل تتعدى ذلك إلى ضرورة امتلاك لاعب الكرة لحسّ تسويقي عال يجب أن يلازم حسّه التهديفي من أجل جلب الأرباح للنادي، وبيع القمصان، وحسن تمثيل الشركات، والماركات الرياضية الراعية له، وغالبًا في ملعب الكرة ما يتقاطع التسويق مع الاقتصاد، والاقتصاد مع السياسة كوحدات تلازم المستطيل الأخضر.

ملعب كرة القدم يتكلم السياسة

لم تلبث السياسة كعادتها طويلًا قبل أن تقحم نفسها في الشأن الكروي، فقد جعل رجال السياسة المستطيل الأخضر أداة لكسب الشعبية، والاستفادة من أضواء ملعب الكرة، فلم تفلت الدول الفرصة على نفسها من خلال استقبال المنافسات الرياضية العالمية، والقارية، كوسيلة مثلى لتعزيز الحضور على الساحة الدولية، والإقليمية، وإبراز نفسها كلاعب متكامل على الساحة الدولية فتتنافس فيما بينها لتنظيم التظاهرات الكبرى من أجل الدعاية السياسية للأنظمتها، إلا أنّ الترابط بين الرياضة والسياسة قد يتجاوز أحيانًا حدود المعقول، فلا مناص هنا من ذكر الأزمة الدبلوماسية التي بدأت بين مصر والجزائر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، بسبب مباراة كرة قدم مؤهلة لكأس العالم، وما ترتب عنها من إفساد للعلاقة الودية التي تجمع البلدين الشقيقين قبل أن تعود الأمور إلى مجاريها فيما بعد، ولعلّ أبرز دليل على تداخل الرياضي بالسياسي قصة الجنرال فرانكو مع إقليمي كاتالونيا والباسك؛ حيث قام بحظر التعامل باللغة الكاتالونية، ومنع استخدام العلم الكاتالوني داخل البلد، كما حارب فريق برشلونة الإسباني، ومنع أندية كاتالونيا والباسك من استقدام أي لاعب من خارج الإقليم، ودعم فرق العاصمة فقط من أجل إخضاع الإقليم حتى ينصاع، ويكفّ عن معارضة سياساته في خلطة تجمع الرياضة والسياسة داخل إناء واحد أضحى فيها ملعب كرة القدم غير الملعب الذي عرفناه.

الكرة المنفوخة سلاح بيد الدعاية المغشوشة

إن ما توفّره مسارح الكرة من دعاية جعل العديد من الشخصيات العامّة تستغلّ جماهيرية اللعبة ومكانتها لدى عشاقها لتحقيق مآربها الخاصّة فقد استغلّ تاجر المخدرات «بابلو إسكوبار» الاهتمام الذي تحظى به كرة القدم في كولومبيا لتعزيز سلطته، وفرض سطوته، وتبييض صورته، فشيّد الملاعب، ودعم الفرق الكولومبية بالمال، وكلّ السبل المتاحة، إلا أنّه اتّضح فيما بعد أنّ الأموال التي أنفقها إسكوبار سرًّا وعلانيّة كان الهدف منها تبييض أموال تجارة المخدرات، وكذلك الحصول على دعم الطبقات الفقيرة في مدينة ميديين ليكتسب بذلك دعمًا شعبيًّا لا مثيل له، ويصبح بذلك فوق المحاسبة مهما ارتكب من جرم.

لعلّنا في تناولنا للوجه الآخر لمساوئ دعاية العشب الأخضر، لا يمكن أن نستغني عن ذكر سيلفيو برلسكوني، كأكثر سياسيي أوروبا إثارة للجدل بسبب فضائحه الكبيرة، وتهم الفساد الكثيرة التي تلاحقه، فالرجل الذي صنع أمجاد ميلان العريق اتخذ من الطموح الرياضي طموحًا سياسيًا يوازيه؛ ليصبح فيما بعد رئيس الحكومة لمدة تسع سنوات كأطول مدَّة لرئيس حكومة في فترة ما بعد الحرب في إيطاليا، لكن خلف الستار لم يكن للرجل أن يداوم منصبه، لولا الدعم الذي حظي به من خلال رئاسته لنادي ميلان، فالجماهير المخدوعة غطّت على الكثير من فضائح الرجل قبل أن يسقط بالضربة القاضية في محاكمة «بونغا بونغا» سنة 2013، ويتم الحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، ومنعه من تولّي منصب رسمي مدى الحياة.

كرة القدم: حمامة سلام في عالم دمّرته الكراهية

بالرغم من الصراعات وغبار المعارك بين الجماهير المتعصبة لفرقها من جهة وبين المتدخلين في الشأن الرياضي من جهة أخرى، إلاّ أنّ الجلد المدوّر استطاع أن يحول ملاعبه إلى «ساحة شرف» وإعلاء القيم، فقد لعبت كرة القدم دورًا كبيرًا في التقريب بين الأديان من خلال مبادرة البابا فرانسييس «مباراة بين الأديان» والتي جرت سنة 2013، وجمعت نجومًا عالميين ينتمون إلى مختلف الأديان كمارادونا، وباجيو، وخافيير زانيتي، وزيدان، وآخرين تحت شعار «مباراة بين الأديان من أجل السلام»؛ إذ شكلّت هذه المباراة حدثًا كرويًّا حثّ على التسامح ونبذ التفرقة تعانق فيه اللاعبون، وارتدوا قمصان حملت ألوان «السلام»، أمّا سنة 1998 فقد وضعت القرعة المنتخبين الإيراني والأمريكي في نفس المجموعة، حيث جذبت المباراة اهتمامًا سياسيًّا ورياضيًّا هامًّا بسبب العداء الحادّ بين البلدين، غير أنّ رسائل السلام طغت على المباراة فقد قدّم اللاعبون الإيرانيون ورودًا بيضاء لخصومهم دلالة على أنّ الخلاف لا يمكن أن يمتد للمستطيل الأخضر، وأنّ الساحرة المستديرة وجدت لتجمع الشعوب لا لتفرقّها أمّا مونديال 2010، فقد ضمّ في إحدى مفاجآته خلال التصفيات المؤهلة للبطولة مواجهة مثيرة بين كوريا الجنوبية وجارتها كوريا الجنوبية، إلا أنَّه بالرغم من العداوة المتبادلة بين الدولتين تمكّن المنتخبان من الوصول إلى المونديال الأفريقي معًا للمرة الأولى، وقامت جماهير الكرة في البلدين بإعلان تأييدها للبلد الجار، وتولّت جماهير الطرفين تشجيع منتخب الدولة العدوّ متجاوزين الخلافات الحادَّة بين البلدين ليبعثوا رسالة عنوانها أنّ «كوريا بلد واحد».

لا يختلف اثنان أنّ الساحرة المستديرة تعتبر أكسجين الحياة ومتنفّسًا للعديد من عشّاقها الذين يرون فيها دواءً وشفاءً من هموم الحياة، لكن عندما يتخطى جنون اللّعبة حدود البساط الأخضر، ويكثر فيها المتدخلّون والدخلاء تحيد كرة القدم عن الغرض الذي وجدت من أجله، إذ إنّه وبالرغم من المجهودات الكبيرة التي يبذلها الاتحاد الدولي لكرة القدم من أجل إصلاح المنظومة الكرويّة من خلال منع الشعارات السياسية داخل ملاعب المستديرة، وإقرار قوانين تعقلن اقتصاد الكرة، إلا أنّ النأي بها عن عبث رجل السياسة، وتلاعب رجال الاقتصاد، وغطرسة الدول ما زال أمرًا صعبًا يستدعي وقفة حازمة وتوحيدًا للجهود المبذولة في هذا المجال لتبقى معشوقة الجماهير شامخة فوق جلّ الاعتبارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد