السياسة لا يمكنها أن تكون عبرة للتاريخ؛ لأنها لم تعتبر بالتاريخ إلا نادرًا، ومجرد إشارات في كتب المنظّرين. ولكن عند التطبيق تشعر أن الحياة تلد من جديد بغباء، وأنها تلد في الضحالات، وليس من تاريخ مملوء بالعبر، والأساطير، والحكايات. (دوني جورج – 2010).

تُكتب هذه الكلمات بينما تعيش العاصمة الأمريكية واشنطن على وقع أحداث غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث اقتحم محتجون من أنصار الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب مبنى الكونجرس الأمريكي وقاموا بتعطيل جلسة كانت تعقد للمصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت قبل شهرين وأسفرت عن فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن على منافسه الرئيس الحالي.

اتهم ترامب نائبه مايك بنس – في تغريدة عبر «تويتر» – بالتخاذل وعدم التصدي لجلسة التصديق على نتائج الانتخابات التي اعتبر ترامب أنها قد تعرضت للتزوير، ووصل رد فعله إلى حد مخاطبة حشد من أنصاره أمام البيت الأبيض محرضًا ومتوعدًا في التصدي لما وصفه بالمهزلة التي تعرض العملية الديمقراطية في بلاده للخطر.

وخلال دقائق تناقل الآلاف حول العالم مشاهد اقتحام المحتجين من أنصار ترامب لمبنى الكونجرس وسط عجز قوة حماية المبنى عن مجابهتهم، وبما ارتداه بعض المحتجين من أزياء وملابس غريبة، انتشرت مئات الصور حول دخول المحتجين لقاعة الكونجرس الرئيسة، وحتى إلى مكتب رئيس مجلس النواب والقيادية في الحزب الديمقراطي نانسي بيلوسي.

ربما كان مهمًا تناقل تلك الصور وانتشارها كالنار في الهشيم واجتياحها منصات الأخبار والتواصل الاجتماعي وقنوات التلفاز حول العالم. لكن الأهم هو كيف نظر من تناقلوا تلك الصور لما رأته أعينهم؟ وبماذا تٌرجمت تلك النظرة داخل عقولهم وضمائرهم؟.

لا شك أن بلادًا كثيرة قد اكتوت بنار الجموح الأمريكي المستعر نحو السيطرة على العالم. وبدا أن شعوب دول خرجت عن مدار التاريخ بفعل إزاحتها عنه قسرًا عبر الآلة الحربية والتدميرية التي قذفت بها الإدارات الأمريكية لعقود متعاقبة، رأى قطاع كبير منها أن الولادة الغبية للحياة في الضحالات، وحماقة السياسة التي تطيح بأصحابها – كما أشار الاقتباس في المقدمة – قد أعادت إليهم بعض الشعور بالإنصاف، وتحقق العدالة ولو بشكل جزئي.

كانت الفوضى الخلاقة عنوانًا بارزًا أستحوذ على عقول مختلف المستويات حول العالم وهم يرون الأسس النظرية والتطبيقات العملية لهذا العنوان تتم على يد الإدارات الأمريكية التي وضعت دولًا بأكملها وبكل ما حوته من إرث تاريخي ومقومات جغرافية وبشرية في مختبرات قياس فاعلية تلك الأسس النظرية وراحت تعدل عليها بين الحين والآخر بما يلائم تطورات الوضع على أرض الواقع.

كان الأسلوب متشابهًا وفق ذلك العنوان، وقد يختلف في بعض التفاصيل، لكنه في النهاية يؤدي لنفس النتيجة بما يجعله غير قابل للخطأ. فالدول التي أصبحت مجرد عينات في مختبر التجارب الأمريكي قد أعطت بسياساتها المتهورة وطريقة حكمها الفاسدة عبر من تسلطوا عليها في غفلة من تاريخها وشعوبها، وتنبه ويقظة من قبل داعميها، الذين كانوا في مفارقة محزنة هم ذاتهم أقطاب مختبر التجارب، جزء غير قليل من قوة الدفع باتجاه استثمار أخطائها من قبل الذين يدعمونها في البداية، ويستغلونها لتحقيق ما يرونه مناسبًا في ضوء حساباتهم على مستوى خريطة العالم برمتها، ثم تلفظهم وتبدأ في تضييق الخناق عليهم. ولأنهم أيضًا لا يستطيعون لأسبابهم الذاتية قبول عملية التدوير هذه ببساطة، وأن يتركوا الساحة لمن يحين دورهم فيما هو قادم، فإن أولئك المتسلطين يرفضون ويكابرون ويأخذهم الطيش إلى حد مجابهة من صنعهم ورسم لهم بعناية، أدوارهم التي لعبوها وخط سيرهم الذي مضوا فيه، حتى تحين لحظة الإجهاز عليهم وتدميرهم، وهنا يصبح الحال أشبه بأعراض جانبية لدواء يعطى للمصاب بمرض معين، ويكون العرض الجانبي في إزاحة أولئك المتسلطين بضعة آلاف من شعوب تلك البلدان، وتخريب لما قد تبقى من مقومات تعطيهم الحد الأدنى من مظاهر الحياة الآدمية. وهذا هو أيضًا عمل آخر يجري تقويمه وبحثه في مختبرات التجارب الأمريكية.

لطالما كانت التقاليد الراسخة للعملية السياسية في الولايات المتحدة مبعثًا للفخر بين قطاعات كبيرة في المجتمع الأمريكي وحتى على مستوى النخبة الثقافية والسياسية، بل تجاوز الأمر نطاق الحدود الوطنية وأصبحت التجربة الأمريكية – السياسية هنا على الأقل – مقياسًا تقوّم بموجبه طريقة رسم الأسس الديمقراطية لكثير من البلدان حول العالم. ولكن ذلك – وهنا مرة أخرى يتجلى غباء السياسة وعدم أخذها العبرة من التاريخ – لم يمنع من كون العملية الديمقراطية قد تكون في بعض الأحيان مصدر خطر حقيقي إذا ما أدت إلى وصول من يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة وتحويلها مما هو متعارف عليه باتجاه ما يعرفه القادم عبر صندوق الانتخاب من قواعد للّعبة، وهذا بالضبط ما حصل عام 2016.

في تلك الانتخابات التي جاءت نتائجها على غير توقع، دخل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيسًا للولايات المتحدة قادمًا من بيئة تجارية ومالية بحتة. هناك، حيث المال هو صاحب الكلمة العليا والفاصلة على حساب ما يوصف من أنه مجرد مبادئ «لا تسمن ولا تغني من جوع»، كالعدل، والحق، والقانون. وحيث المصلحة هي المعيار الأساس للقرب والبعد، أو الصداقة والخصومة.

وبمثل هذا المنطق تمامًا، تعامل ترامب مع القضايا الداخلية والخارجية للسياسة الأمريكية. فكان المال هو الذي يحرك بوصلة علاقاته الدولية التي تقترب أو تبتعد حسب قدرة الطرف الآخر على الدفع وملء جيب الرجل الذي يرفع شعار لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا. ولم يكن ترامب ليتوانى عن التذكير علنًا بأنه يعمل وفق منطق تجارة السوق، وبشكل واضح، دون الخوض في عملية تجميل المغزى وتأطيره تحت عناوين براقة كالديمقراطية، والحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان.

 كعادة تاجر السوق الذي يتعرض بحكم عوامل متعددة لخسارة ثقيلة من منافسه فيأخذه الانفعال بعيدًا إلى حد التصرف بطريقة التخريب قبل التسليم، قام ترامب بما حرض عليه انصاره للقيام به يوم الأربعاء، ثم حاول مداراة ذلك بتوجيه نداء لاحق لهم بالعودة إلى منازلهم، والحرص على تقاليد البلاد الديمقراطية، وعدم تخريب النموذج الأمريكي. وإن كان هذا هو معنى تصريحات ترامب، وليس بالضرورة نصوصها الحرفية، لكن ذلك كان مغايرًا لمقاييس الدور المعروف الذي يجيده الرئيس الأمريكي الحالي، وبالتالي ظهر في ذلك المشهد باردًا كبرودة طقس ذلك النهار حسب توقيت واشنطن، خاليًا من أي روح أو حتى قدرة على الإقناع ولو في حدودها الدنيا.

في كتابه الفوضى الخلاقة – إستراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية لـ100 سنة قادمة (2013) يختم بهاء الدين الخاقاني بتساؤلات بدا أن إجابة بعض منها تتجسد اليوم، حيث يقول:

أليس بالحريّ بصاحب أي اختراع، أو اكتشاف علمي، أو إبداع فلسفي، أو فكري، أو تعليم تربوي، أو أخلاقي، أن يجربه في مختبره الشخصي، ويختبره على نفسه، حتى إذا تأكد من سلامته وصحته ونجاعته، ونال براءة الاختراع والإبداع، عمل إذ ذاك على ترويجه وتسهيل تطبيقه واستعماله لدى الآخرين؟

ألم تمر الولايات المتحدة الأمريكية بمرحلة البذرة أو النطفة في ظهورها على الساحة العالمية؟

أما كان أولى بالولايات المتحدة الأمريكية تطبيق هذه النظرية على شعبها ونظامها السياسي بحجة التطوير والتقدم لتكون الشاهد على صحة هذه النظرية وصوابيتها؟

من المؤكد أن نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي دفعت ثمنًا باهظًا جراء سياسات الإدارات الأمريكية، شأنها في ذلك شأن شعوب الدول التي خضعت لقوانين مختبر التجارب الأمريكي بمختلف مفاصله السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والثقافية. لكن وجهًا من الحقيقة لا يمكن إهماله يتمثل في أن العامل أو القائم على أي مختبر للتجارب لا بد له في يوم ما أن يخطئ حساب المعادلات التي تحكم تجاربه، وأن المركبات والمواد التي تشكلها، قد تخرج عن نطاق مسار التحكم في تفاعلاتها، بما يؤدي إلى خلل يفضي لانفجار كيميائي في وجه القائم بالتجربة. وإذا ما أضيف لذلك، قوانين ومعادلات التاريخ التي لا تخطئ في الغالب، والتي لا تعتبر منها السياسة، فإن المحصلة ستشير إلى أن الدائرة لا بد لها أن تعود إلى نقطة أصلها التي رسمت منه مهما بلغ محيطها في الاتساع.

أعاد الحرس الوطني فرض الحماية على مبنى الكونجرس، وعاود المجلسان – النواب والشيوخ – نشاطهما، وصادقا على نتائج الانتخابات. واستنكر كثيرون داخل أمريكا وخارجها ما راعهم من مشاهد لم تتجاوز عدة ساعات لاقتحام أنصار ترامب لمبنى الكونجرس. لكن الأكيد، أن تلك المشاهد قصيرة الزمن، كانت بالغة الأثر في دلالاتها. ولعلها ناقوس يدق أجراسه مدويًا، منذرًا ومحذرًا من الفوضى، ومجسّدًا حقيقة أن كل الاحتمالات مفتوحة، وأن الوضع لا بد أن يخرج يومًا ما عن السيطرة، وإن كانت الفوضى – التي عادت إلى نقطة بدايتها بعد أن اتسع محيطها على مساحة خريطة العالم – قد اقتصرت على اقتحام صرح سياسي وتشريعي، وامتدت لدقائق أو ساعات هذه المرة، فمن يدري كيف ستكون، وكم ستمتد في المرة القادمة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد