لم يسعفني الوقت ولا الظروف أن أكتب عن شيكابالا يوم مولده، رغم اعتزامي فعل هذا، ورغم المحبة الجارفة له في قلبي، إلا أن نمط الحياة السريع شغلني عن الأمر وأرغمني على الابتعاد عن الكتابة عن فتى الزمالك الأول.

كنت جالسًا على أحد المقاهي مع صديقي الذي سألني السؤال المعتاد، والذي يبدو أنه لن ينتهي حتى قيام الساعة: لماذا تشجع الزمالك؟ في واقع الأمر أنا أعلم جيدًا أن السؤال هذا في العادة يقال والغرض منه فتح باب التهكم والتندر والتحدث عن محن الفريق، وشعار الجماهير، وعن (سنظل أوفياء) أو (الزمالك قادم) والعديد والعديد من الجمل التي حفظها كل مشجع (زملكاوي) عن ظهر قلب، إلا أنني في الواقع أحب هذا السؤال؛ حيث أشعر أنه يتيح لي الفرصة للتحدث عن شيء أحبه، أو أنني في مؤتمر جماهيري، وحان دوري الآن للصعود على المنصة للتحدث.

قلت لصديقي: لأسباب كثيرة معقدة، أسباب تحتاج إلى وقت طويل جدًا للشرح، وقد لا تفهمها في النهاية، أسباب كثيرة أبسطها حازم إمام، وشيكابالا، اعتدل صديقي في جلسته، وقال أخبرتني مسبقاً عن قصتك مع حازم، ولكن لماذا شيكابالا إذًا؟

قلت لصديقي: لا أدري متى بدأ العرف أن يرتدي الملوك تاجًا من ذهب، ولكني أعرف جيدًا أن الذهب يختلف عن غيره من المعادن، إنه معدن نقي خالص، ولا تشوبه شائبة، يحتاج إلى درجة حرارة عالية؛ حتى ينصهر، ثم يتماسك مجددًا، درجة حرارة لا تقاربها إلا الشمس في جنوب الوادي، حيث ولد هو؛ فأعطته الشمس سمرة البشرة كتاج له، أو لتجعله يشبهنا تمامًا، وتعود أصوله إلى أصولنا.

شيكابالا هو ابنك، ابنك الذي لم تنجبه، ويكبرك بسنوات عديدة، ابنك الذي لم تقابله إلا منذ بضع سنوات في مدرج المنحنى الجنوبي أو أمام التلفاز، ابنك الضال الذي لطالما ارتبط اسمه بالمشاكل والأزمات وعدم الاستقرار، لكنه ومهما حدث سيظل ابنك الذي تعشقه، رغم كل شيء، وتحبه رغم كل شيء، ابنك الذي تثق فيه، وتستعد لتفديه بدمك، شيكابالا ابنك الذي رغم كل ما سيجده فيه البعض من مساوئ، إلا أنك تثق تمامًا أنه كما كان دائمًا، فسيكون أبدًا فى العون، فمتى وقعت، سيحملك، ويجعلك تنتصر، حتى وإن كان هو الموهوب فى فريق لا يحمل حتى من أنصاف الموهوبين الكثير، لكنه سيجعله ينافس، شيكابالا ابنك الذي إذا سجل انطلق تلقائيًا بدون تفكير إلى المدرج ليلقى عليك السلام ويجعلك تشاركه الفرحة، شيكابالا ابنك الذي إن انتصر انطلق مسرعًا إليك فى المدرج ليتلقى منك مكافأته؛ فتسمعه أغانيك التي يفضلها وتهتف له، في كل فرق العالم إذا غاب لاعب عن مباراة لأي سبب، فإنه سيحضرها من المقصورة الرياضية، ولكن لأنه شيكابالا، ولأنه ابنك، فسيأتي إليك، ويقف ليقود التشجيع، وقد يشعل معك الألعاب النارية.

أحب شيكابالا لأنه يشبهنا كثيرًا في كل شيء، في الأمل ونبل المشاعر، وفشل الهدف، والانكسارات والخيبات الكبيرة، رغم الموهبة التي لدينا، يشبهنا في مطاردة الشغف، والسير بعشوائية، معتمدين فقط على الحدس، أخبرني عن آخر مرة رأيت فيها نجمًا في فريق ينسى شهرته والكاميرات وكل شيء، ويغني مع المدرج ويسب المنافس؟ متى رأيت قائدًا لفريق حين يغيب عن مباراة، فبدلًا عن الذهاب إلى المقصورة الرياضية، يتجه إلى مدرج الدرجة الثالثة ليقود التشجيع؟

كان شيكابالا هنا هو الأمل حين غاب الأمل، كان هو الزمالك حين لم يكن هناك زمالك، كان كعصا موسى التي تصنع المعجزات، ويحول أنصاف موهوبين إلى فريق قادر على المنافسة، حين كان يقول لنا أصدقاؤنا إننا خسرنا كل شيء، كنا على الفور نجيب أننا امتلكنا شيكابالا، كان ظهور القميص رقم 10 على ظهره كظهور علامة باتمان في السماء، في نادي كان العرف فيه أن يتم الهتاف أغلب الوقت لصاحب الرقم 14، كان شيكابالا هو الذي كسر تلك القاعدة.

نحب شيكابالا لأنه منا ونحن منه، يحبنا ونحبه، ذاب فينا وذبنا فيه، اختلطنا معًا كما لم يفعل أحد من قبل، هو ابننا وأبونا وفتانا المدلل الذي قد غفر له كل ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هو شيكابالا، وهذا يكفي جدًا للشرح، نحبه، هو شيكابالا، ولو انتهى به الحال في القاع، رفعناه على أكتافنا وجعلنا القاع جنة.

هنا في الزمالك، أن تحب شيكابالا هو فرض عليك، شيكابالا هنا كالماء والهواء عشقه.. كحروف الأبجدية في تعلم أية لغة جديدة.. كعقدة أوديب التي لا حل لها أبدًا، ككل حب صافٍ لا يزول، ولا يجف، ومن ارتوى به مرة أسره للأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شيكابالا
عرض التعليقات