منذ حوالي 5 سنوات سمعت تلك الجملة التي لم أنسها قط من مديري المباشر في العمل «لا تدع أحدًا يمنعك عن أداء عملك، لأنه يسلبك حقك ولو كان فيه راحة لك. ولا تدع أحدًا يستهين بعملك أو يقلل من شأنه فكأنه يستهين بك شخصيًا، ولكن اسمع لكل كلمة نقد بنّاء فهي هدية لك لتكون أكثر إتقانًا وخبرة»، كان يُسمّى «نور» هكذا كان اسمه ووصفه بالفعل، كان ينير للجميع في تفاصيل العمل وأسراره وكيفية إتقانه. برغم أنه كان يدير فريقًا صغيرًا من الشباب، وكان هو أكبرنا سنًا ولكنه كان مثل أخ وأب ومُعلّم في العمل وفي الحياة أيضًا. كان له وجهة نظر في الإدارة لعلك تقرأها في مقال أو كتاب متخصص في علم الإدارة الحديثة برغم أنه لم يدرس ذلك، فكان حين يترك العمل ويغيب في إجازة يتباهى بنا أمام أنفسنا وأمام الآخرين بأن العمل يسير كما لو كان موجودًا! على عكس مديري الأقسام الأخرى والذين كانوا يحرصون كل الحرص على ألا يسير العمل إلا بهم، ويحشرون أنوفهم في كل صغيرة وكبيرة لمرؤوسيهم، ويرون في ذلك قوة وإدارة صحيحة وهي ضعف في حقيقتها وإدارة خاطئة.

لعل أحد أكثر الأخطاء التي يقع فيها أي مدير هي أن يمنع موظف من أداء عمله، نعم هو خطأ وضعف إداري وفي نفس الوقت جور على حق هذا الموظف، وليس كما قد يبدو بأن ذلك راحة له. فراحة الشخص في أداء ما يحب وما يتقن، ومنعه من حقه ولو بحسن نية خطأ وجور عليه. ولعل أحد أهم الآراء التي قرأتها في هذه النقطة، كان سؤال على موقع Quora لشاب يعمل مبرمجًا في أحد الشركات اليابانية، ومحور سؤاله يدور حول كون مديره يعاقبه فلا يرسل إليه أي مهام وفي نفس الوقت يحصل على راتبه بالكامل نهاية دون نقصان! هكذا قالها ووصفها «يعاقب» فهو يصف منعه من أداء عمله برغم حصوله على الراتب كاملًا بأنه «عقاب».

وإذا عدنا لتلك الكلمة الذهبية التي قالها الأستاذ نور منذ 5 سنوات، وحاولنا تحليلها وربطها بما قد يقع فيه أي شخص يدير مجموعة موظفين. ستجد أنه على المدير أن يعي ألا يمنع موظف من أداء عمله –وهذا إن كنا نتحدث عن موظف يحب عمله ويحاول اتقانه- أما إذا كنا نتحدث عن نموذج موظفي الشهر العقاري والسجل المدني أو موظف الحكومة فهو أمر آخر، فهذا الشخص يتغذى على هذا النوع من المديرين أصلًا (ولو أن هناك من موظفي الحكومة من يتقن أشد الإتقان، والتعميم عمى). وعليه أيضًا ألا يحيل هذه العمل إلى موظف آخر، مما يثير الضغينة بين الموظفين فيتحول العمل إلى صراعات شخصية تضر بالعمل ككل. وإذا أراد أحد أن يقوم بعمل الآخر فهو أحد أمرين لا ثالث لهما، إما أن يُترك كل شخص يقوم بعمله 100% حتى يمكن محاسبته عليه في إتقانه أو تقصيره، وإما ألا يقوم في هذا العمل ولو بواحد في المائة. وليس هناك نسبة وسط بين الواحد والمائة في هذا الأمر.

أما النقطة الثانية التي ذكرها نور في جملته، ألا تدع أحدهم يستهين بعملك أو يقلل من شأنه، وهين على الشخص أن يشتمه أحد في شخصه ولا يشتمه في عمله أو يقلل منه. فأي كيان مثل بناء، يقوم فيه كل شخص بوضع لبنة عليها بصمته المميزة، وهكذا يكتمل البناء ويعلو ويرسخ في الأرض ويعانق السماء مع تعاقب هؤلاء الذين يضعون لبنات مُتقنة قوية. وقد يكون هناك من دوره أكبر أو أهم ولكن الجميع دوره مهم، وإلا لما كان لوجوده معنى.

أما النقطة الثالثة، فهي سماع النقد والاهتمام به، وهذا لا يتعارض مع النقطة السابقة بل يكملها، فهو ليس استهانة بما يعمل الشخص أو تقليل من شأن عمله، ولكنه نقد يوصف بالهدية، فهو توجيه الشخص إلى نقاط قصور أو ضعف لتكون اللّبنة التي يساهم بها أقوى وأكثر إتقانًا. لأن كل اللبنات مرتبطة ومترابطة في نفس البناء. ولبنة واحدة ضعيفة وغير متقنة قد تجعل البناء يميل ولا يستقيم فضلًا عن أنه كلما زاد عدد اللبنات الضعيفة آل البناء إلى السقوط.

أما النقطة الرابعة، فهي ترك الفرصة للموظف ليبدع، ودائمًا ترن في أذني كلمات صديقي «سعيد» المبرمج في رسالة أرسلها لي منذ حوالي 3 سنوات، أخبرني في أحد سطورها أن gmail الذي يفيد ملايين الأشخاص حول العالم الآن لم يكن ليكون لولا موظف تُركت له الفرصة ليفكر بُحرّية فأنتجت فكرته واحدًا من أهم منتجات جوجل. فالاستماع إلى الأفكار من أهم المهارات التي يجب عل كل مدير أن يمتلكها، فهي السبيل إلى النهوض بهذا الكيان، فالأفكار كنوز ولا يهمل الكنوز إلا متكبر أو أحمق. فلا تكن هذا ولا ذاك. وما المستقبل إلا مجموعة أفكار في عقول البعض الآن.

عزيزي المدير، ربما يكون العنوان مؤذيًا لك أيًا كان الجزء الذي تديره، ولكن اللعنة ليست من نصيبك إذا تقبّلت هذه النقاط وطوّرت من طريقة إدارتك، واللعنة كل اللعنة ستغمرك وتغمر الكيان الذي تديره إن نظرت تحت قدميك في طريقة إدارتك. ولعل أجلّ ما يمكن أن تضيفه إلى هذه النقاط أن تجعل الفكرة والهدف تكسن قلب موظفيك، عندها سيختفي وصفهم بالموظفين، ليكونوا هم أصحاب هذا الكيان والأكثر حرصًا نهوضه بكل ما لديهم من قوة وتفكير.

يقول جورج برنارد شو: يمكنك أن تعمل 8 ساعات يوميًّا من أجل الراتب، و10 ساعات من أجل المدير الجيد، و24 ساعة من أجل فكرة تؤمن بها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد