كلما بدأت مشاكل جماعة الإخوان المسلمين تظهر على السطح وتتفاقم وتزداد صعوبة تظهر بعض الأصوات من داخل التنظيم ومن خارجه تُطالب بحل التنظيم لعدم فائدته وكثرة مشاكله، وتعتقد هذه الأصوات أن (الحل) سيكون هو العلاج لكل المشاكل الداخلية والخارجية، وبأن (الحل) سيعيد للبلاد ثورتها وسيجدد لها شبابها، وأن (الحل) هو العلاج لمشاكل مصر والأمة العربية والإسلامية، وأن الإخوان وتنظيمهم لم يقوموا بدورهم المنشود تجاه البلاد والعباد.

أنا في حِل للدفاع عن الإخوان وتنظيمهم، ولست مدافعًا عن أخطائهم وخطاياهم التي ارتكبوها بحسنة نية أحيانًا، وبغباء وسوء إدارة أحيانًا أخرى، أو بحسابات خاطئة أحيانًا ثالثة، أخطاء الإخوان أصبحت معروفة لهم قبل غيرهم حتى وإن عاند أحدهم مدافعًا ومناكفًا لا أكثر، لكنه في قرارة نفسه يعرف أخطاءه وأخطاء تنظيمه جيدًا.
كثير من أخطاء الإخوان جاءت من الجانب السياسي، مواقفهم وحساباتهم وتصريحاتهم، وجاء الحزب – الحرية والعدالة- ليضيف خطايا أكثر وأكبر في زمن ثورة كانت تحتاج منهم لإعادة التفكير في أمور كثيرة على المستوى السياسي والفكري والحركي.

كثير ممن يتعامل مع تنظيم الإخوان يركز بنظره على الجانب السياسي ولا يلفت انتباهه الجانب الدعوي – الذي ضعُف وبهت كثيرًا منذ ثورة يناير- الذي هو بالأساس قلب الجماعة وتلتف حوله باقي الأعضاء، أعلم جيدًا أن فكر الإخوان يتبنى النظرة الشمولية للإسلام وعدم فصله عن مناحي الحياة، ولكن الجانب الدعوي التربوي يحتل جزءًا لا يُستهان به من فكر الإخوان وتكوينهم التنظيمي.

عندما ننظر للإخوان من هذا الجانب ونترك الجانب السياسي قليلًا، تتغير النظرة للجماعة والتنظيم، فتنظيم بهذه الطاقة العددية والتوسع الجغرافي قد يُستفاد منه في أمور كثيرة اجتماعية وتربوية ودعوية، تنظيم كهذا فيه من الكوادر العلمية في كل مجالات العلوم الدينية والكونية قد يُستفاد منه في دفع قاطرة البلاد التنموية، تنظيم قوامه الأصلي الشباب قد يُستفاد منه في إعادة تموضع الشباب داخل البلاد وقيامهم بدور محوري في تحسين الحالة العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

تنظيم بهذا التشعب والتواجد قد يُستفاد منه في وصول التغيير إلى كل أنحاء البلاد من شمالها لجنوبها لشرقها لغربها، تنظيم لديه قدرة تربوية وطاقة تعليمية قد يُستفاد منها في تكوين نشء مصري يتبنى مبادئ وأفكار وتعاليم مجتمعه الشرقي العربي الإسلامي، وليس كما هو الحال الآن حيث يخرج النشء منسلخًا من كل ما ينتمي لبيئته ليقلد ما لا يتفق مع مجتمعه في شيء ولا يتقاطع مع بيئته في شيء.

أعلم جيدًا أن هذه الأمور لن تحدث إلا إذا حدث تغيير جذري في فكر وإدارة الإخوان، تغيير حقيقي يُبنى على قواعد وأسس وقوانين صارمة وقوية، إصلاحات جذرية في الفكر والإدارة، إعادة تقييم للتجربة من عصر المؤسس حتى الآن، تقييم للفكر والمراجع التي يُعتمد عليها والأدبيات التي يُستقى منها، تقييم للتنظيم وطريقة إدارة واختيار المسئولين وتوليهم المسئوليات، تقييم لطرق الدعوة لتغيير المجتمع وتبنيه لقيم الخير والعدل، تقييم لطرق المحاسبة والمعاقبة لأعضاء التنظيم، هذه التغييرات تحتاج لحديث يطول ويخصص لهذا التغيير، لكنني هنا أناقش فكرة (الحل) كفكرة مجردة.

فلنفترض أن قيادات التنظيم اِتخذت قرارًا بحل التنظيم، ما هو العائد على البلاد خيرًا من هذا الأمر؟، هل سينصلح حال البلاد؟، أشك في ذلك، ففي الجانب السياسي حين كان يحكم الدكتور مرسي وكانت تساعده الجماعة والتنظيم لم يستطيعوا كبح جماح الفساد والسرقة والنهب والمؤامرات رغم تواجدهم في كل الهيئات والوزارات، فكيف وهم غير موجودين وغير منظمين، في الجانب التربوي الدعوي الجماعة والتنظيم تحارب منذ التأسيس لتكوين الفرد المُتبني لقيم الخير والبناء والإصلاح وتحارب كل العوامل التي تعمل على إفساد الفرد وخلعه من قيمه ومبادئه، التنظيم حقق نجاحات نوعًا ما في هذا الأمر، وإن كانت تخص أعضاءه والمقربين منهم لكنها لم تصل لعموم المجتمع وأغلبيته، ونحن نرى الانحلال الأخلاقي الاجتماعي في بلادنا، هذا الأمر والتنظيم موجود ويعمل فما بالك لو حللناه وألغيناه؟

في جانب العمل الأهلي والخدمي للجماعة والتنظيم مجهودات جبارة في هذا المجال وكان هذا مما يُنتقد عليه الإخوان حتى قبل ثورة يناير حيث كان يتهمهم البعض بأن هذه المجهودات تساعد النظام المباركي على بقائه لأنها تحمل عن كاهله وتخفف عنه جزءًا من واجبه نحو الفقراء والمعدمين، ومع كل هذه المجهودات ولم يستطيعوا أن يفعلوا ما يُذكر في تحسين الحالة الاقتصادية لعموم الشعب، حدث هذا وهم بكامل تنظيمهم المتشعب في قرى ونجوع بلادنا فكيف وهم غير موجودين؟

قد يقول قائل هم لم ينجزوا في المجال السياسي لأنهم لم يُشركوا الجميع في العمل والإدارة لم يصارحوا الشعب ولم يتعاملوا بثورية مع الفساد، لم ينجحوا تربويًّا ودعويًّا لأنهم كانوا منكفئين على ذواتهم أكثر من اللازم لم يحاولوا تجديد خطابهم الدعوي لم يتبنوا أفكارًا علمية ومؤسسية في الجانب التربوي، وفي العمل الأهلي والخدمي عملوا على إطعام الأفواه ولم يعملوا على تعليم الأيادي كيف تعمل لتطعم أفواهها، فلا فائدة من تنظيم كهذا فليذهب إلى مدفنه ليُريح ويستريح.

أقول لك: ها أنت ترد على ذاتك، كل تعليقاتك ومآخذك تتكلم عن الأفكار والإدارة لا عن هيكل التنظيم، كل انتقاداتك هي في طرق الإدارة والعمل، في مجال الأفكار والمبادئ، لا في جسد التنظيم، فالحل ليس في (حل) التنظيم وإنما في إصلاح أفكاره وأطروحاته وطرق إدارته.

فالحل ليس في (حل) التنظيم، وإنما في إصلاح هذا التنظيم إصلاحًا جذريًّا يتبنى أفكارًا جديدة ويطرح رؤى مختلفة ويعيد تنظيم نفسه على أُسس علمية وقوية وعاقلة ومتزنة، يفصل العمل الدعوي عن السياسي فصلًا تامًا، ليُترك السياسي ليناور ويحاور ولا يُؤخذ الدعوى بجريرة السياسة وألاعيبها.

يتبنى التنظيم دراسات علمية يرعاها ولا يتدخل فيها لإعادة تنقيح الفكر من الشوائب وإصلاح مبادئه وأُسسه، يتبنى طرقًا في التربية والدعوة أكثر انفتاحًا وقُربًا من المجتمع، يتبنى مشاكل المجتمع النفسية والاجتماعية والتربوية ويعمل على حلها بطرق علمية أكاديمية متخصصة ويشترك مع كل من يعمل في هذا المجال مهما كان اختلاف الأفكار والأُسس، يعيد التفكير في طريقة العمل الأهلي والخدمي ليكون تفكيره مبنيًّا على المثل الصيني (لا تعطني سمكة ولكن علمني الصيد)، وبهذا يساعد التنظيم بقدرته العددية والكَمية والنوعية في بناء المواطن القويم الذي بدوره سيعمل على بناء الوطن والحكم الرشيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد