كثير من القادة والمسئولين الإداريين يخوضون طريق حياتهم العملية بشكل معين، بطريقة اعتادوا عليها، إما لمفاهيم تخصهم، وإما لارتياحهم النفسي، وإما لتجربتهم الشخصية، ويشعر كل منهم بأن طريقة إدارته هي المُثلى والفريدة من نوعها.

فيتخيل المدير أنه أعظم المديرين في إدارته للمؤسسة، وأنه سبب كل نجاح وتقدم، ويظن مسئول الكيان بأنه يؤدي الواجب من قبيل الولاء والانتماء والحب لهذا الكيان؛ خوفًا عليه من الضعف والانهيار.

وإذا كنا على يقين بأن كثيرًا ممن يتمسك بطريقة إدارته ويَحسب أنه يُحسن الصنع، هم من أصحاب النوايا الصافية ووجهة النظر الصادقة والمواقف المخلصة دون طمع، لذا وجب علينا مساعدتهم والأخذ بيدهم ليكتشفوا طريقتهم حتى لا يصطدموا بالحقيقة، يوم لا ينفع الندم أو التبرير، فلنضع بين أيديهم ما يستطيعون أن يحكموا به على طريقتهم وإدارتهم؛ هل هي صحيحة فيتمسكوا بها؟ أم خاطئة فيغيروا ما بأنفسهم وإدارتهم؟ وإلا فليرحلوا في هدوء.

أيها المدير، أيها المسئول، توقف فلعلك تهدم وتتخيل أنك تبني، ولعلك تخسر وتعتقد أنك تربح، ولعل من حولك يستجير وتتخيل أنهم معجبون، إليك بعض المؤشرات المبنية على صحيح العلم وعمق المنطق وتراكم الخبرة، وعلى السنن الكونية التي لا تتبدل؛ لتستبين لك الأمور هل تُحسن الصنع أم تسيء.

فلتفكر في هذه الأسئلة ولتجب عنها بكل صراحة وشفافية وشجاعة: –

– هل تُراجع رؤية وأهداف المؤسسة أو الكيان أكثر من مرة خلال العام الواحد؟

– هل تَعتمد على إدارة التغيير والتحديث المستمر في مجالات المؤسسة أو الكيان فتسمح بإعادة النظر في الأهداف وفق المستجدات، وتسمح بتحديث الطريقة والأسلوب وفق التحديات، وتراجع تغيير الأفراد ومهامهم وفق المتطلبات؟

– هل تضع نظامًا ثابتًا شفافًا مُعلنًا لتقييم أداء الإدارة وسياستها ومواقفها، مع اتخاذ القرارات للمعالجة؟

– هل يوجد بالمؤسسة أو الكيان دليل إجراءات ثابت لكل العمليات مع تطبيق النظم والضوابط على الجميع دون استثناء؟

– هل تطلع على كل جديد في علم الإدارة وتأخذ به للتطوير والتنمية، وتعتمد الأسلوب العلمي في الأداء؟

– هل تضع نظامًا إجرائيًّا عند حل المشكلات حتى لا يتكرر حدوثها مرة أخرى، ولا تنشغل بالحلول فقط؟

– هل تحرص على تفويض السلطة وإشراك أكبر عدد في إدارة العمل بكامل سلطاته دون تدخل منك؟

– هل تعتمد على تقريب وتقديم أصحاب العلم والتخصص في الإدارة للاستفادة منهم بصرف النظر عن عمرهم وحداثتهم بالمؤسسة؟

– هل تتجه بإدارة المؤسسة أو الكيان إلى شكل مؤسسي وليس بشكل فردي (الشخصية المحورية)؟

– هل تَعتبر إدارة الموارد البشرية بالمؤسسة من أهم الإدارات التي توفر احتياجات الطاقة البشرية مع التدريب المستمر وتنمية الأفراد؟

– هل تُتخذ القرارات من خلال إجراءات ودراسات بواسطة كيانات رسمية في ظل نظم معلومات دقيقة بعيدة عن الانطباعات أو التخمين؟

– هل يوجد من يعارض سياسات وطرق إدارة المؤسسة أو الكيان ويظل متمسكًا برأيه دون ازدراء؟

– ألا تنشغل بمشكلات الأفراد الشخصية وحل المشكلات اليومية، وتضع من يتصدى لها بالمؤسسة؟

إذا كانت الإجابة على بعض الأسئلة بـ«لا» فإن المؤسسة أو الكيان ينهار ويخسر بمقدار عدد هذه الإجابات. فيا زاهدًا في الإدارة وأنت الحريص، يا سامعًا للرأي وأنت الرأي والرأي الآخر، يا طالبًا الشورى لتأكيد صحة قرارك، يا هادئًا في طريقتك وأنت المقاتل لإنفاذها.

اعلم إذا لم ينشغل المدير بالرؤية والأهداف العامة فقد حول نفسه إلى سكرتير، وإذ لم يَسمح للتغيير في مجالات المؤسسة ويطبقها على نفسه فقد وضع المؤسسة أو الكيان في ثلاجة الموتى؛ تمهيدًا لدفنها في مقابر الفشل والانهيار، وإذا لم يعتمد على ما هو جديد في علم الإدارة ويقدم أصحاب العلم والتخصص؛ فهو المصمم على ما في رأسه حتى لو شَكَّل صداعًا للمؤسسة، ويحولها إلى التجهيل والشيخوخة، وإذا لم يترفع عن مشكلات الأفراد بالتفويض لآخرين واهتم بما لا يهتم به غيره؛ فَسَيغرق في المشكلات ولن يسبح نحو الأهداف، وإذ لم يضع نظام عمل وطريقة ثابتة دون استثناء لقريب أو صديق، فقد تصل المؤسسة أو الكيان إلى حالة من الميوعة في النظام ثم إلى حالة التفسخ والانهيار، وإذا لم يُطبق نظامًا لمتابعة الأداء ويخضع له بنفسه، وإذ لم يستمر المعارض على معارضته فقد أصبح المدير هو المستبد الناعم، وإذ لم يعتمد على التفويض فقد قيَّد المؤسسة أو الكيان بسلاسل من وقته وجهده، وسَجَنها داخل أسوار طريقته، وإذا جعل من نفسه شخصية محورية في الكيان فقد جعل الكيان يتيمًا يحتاج إلى من يتبناه، وإذا كانت إدارة الموارد البشرية في أولوية متأخرة فهذا مؤشر على الإدارة بالاستعباد والنظرة الميكانيكية للطاقة الإنسانية.

وأخيرًا أيها المدير والمسئول بين يدك ما تستبين به، هل ضللت الطريقة وتحسب أنك تُحسن الصنع؟ فسارع للتغيير وانتفض للتطوير، فإما أن تتجدد وإما أن تتبدد، وإلا فالانسحاب أولى
حتى لا تصطدم في قوله تعالي «وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ» (24 سورة الصافات).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد