رسخ في أذهان الكثير منا أن “النقد” يعني نشاطًا يستهدف إبراز النقائص والعيوب والأزمات التي يشاهدها الناقد على مسرح الحياة، أو كما يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد “قد انتقلت الحساسية المفرطة تجاه النقد لتصبح ثقافة عامة، فترسَّخَ في الأذهان مفهومٌ سلبي عن النقد اختصره في مساحة الذم المحض، بعيدًا عن معايير التقييم الموضوعية”.

وكذلك فإن إسراف بعضهم في النقد قد أدى إلى كونه مصدرًا للإحباط والقنوط وقد يجعل صاحبه يظهر في مظهر الذي لا يحسن سوى الكلام، مع الغفلة عن الصعوبات والتحديات التي تواجه الحركة والعاملين فيها، وذلك مما عزز من انتشار تلك الثقافة الخاطئة.

وكثيرًا ما تلجأ الحركات الإسلامية عامة إلى سد منافذ “النقد الذاتى” لما يحدثه من اهتزازات وردود أفعال مختلفة، فيلجأ بعضهم إلى الدور الذي يظن فيه أنه بذلك يحمي دعوته وحركته من التفكك والانهيار ويقوم بدور المدافع عن الدعوة والحركة والحارس لها، أمام “الناقد” الذي هو في نظره إما خصم أو جاهل أو مصدر للإحباط والقنوط أو عميل أو حاسد.

وقد استطاعت الحركة أن تولد جهازًا ممانعا ومتصديا لسبل “النقد الذاتي” داخل الحركة الإسلامية عن طريق:

منهجية تربوية تعتمد بالأساس على تضخيم مبدأ القدوة وتقليص الفردانية مما يترتب على نفي للتميز والانفراد داخل الكيان الواحد عن طريق مناهج التربية الخاصة التي تسعى إلى “وحدة التفكير” إلى درجة تنظيم المطالعات الفردية وعدم السماح للأفراد بحرية الاحتكاك بمصادر الفكر المختلفة خوفا عليهم من التأثر والانحراف.

سد المنافذ أمام حرية التنظير والتحليل، تحليل الواقع وتداعياته وتشابكاته وتقييم الخطط والتصورات والمناهج، وكذلك القليل من الاحتفاء بالكتب والبحوث العميقة والتي ترصد الواقع ومتغيراته وتعمل على تحليله وربط أحداثه والاستفادة منها، وهذا بسبب أنه تولد عند بعض قيادات الحركة الإسلامية شعور أن ما لدينا من أفكار وأطروحات ونظريات في مجال الفكر والحركة والتعامل مع الواقع كافٍ بل فائض عن الحاجة، ودائما ما يردد هؤلاء القادة “ما ترك الأول للآخر شيئا”، وليس في الإمكان أبدع مما كان!

مما أدى إلى حالة “الفقر الفكري” أو”السطحية الشديدة” في التعامل مع القضايا ومستجدات العصر.

ومن الجدير بالذكر في هذا الموضع لنعرف مدى فقر الحركة الإسلامية في هذا الجانب، أن توجهات السياسة الأمريكية لا تعتمد على السياسيين والأحزاب فقط، بل إن التأثير الأكبر على سياسة أمريكا تجاه القضايا الداخلية والخارجية عادةً ما يصدر من بيوت الخبرة أو “خلايا التفكير” التي تنتج كمًّا كبيرًا من الأبحاث والدراسات، لتشكل قاعدة معلوماتية وإستراتيجية للأحزاب والحكومات.

فالولايات المتحدة الأمريكية يوجد بها أكثر من مائتي مركز للفكر، وهي مؤسسات غير ربحية تتشكِّل عضويتها من سياسيين واقتصاديين وباحثين، سواء حزبيون أو غير حزبيين، يعملون على تزويد صناع القرار والمشرعين الأمريكيين بالدراسات والمعلومات التي تؤثر بشكل كبير على قراراتهم المحلية والدولية.

فإذا نظرنا إلى جانب الحركة الإسلامية والتى يناط بها مهمة “عالمية” لا تجد إلا القليل والقليل جدا من هذه المراكز، وربما لا يملك الكثير من التنظيمات الإسلامية أي مركز بحثي يمدها بالمعلومات ويساعدها في صنع القرار، وقد تجد الاحتفاء بمثل هذه الدراسات والأبحاث من قبل القيادة ضعيفًا جدا، وربما تحسن الإشارة إلى ما نبه عليه “غرينليف” من أنه “من العسير على الرجل التنفيذي أن يكتشف الرجل المنظر، أو يدرك قيمة جهده!”.

ومن طرق سد منافذ النقد أيضا أنك تجد دائما قادة التنظيم يدفعون بقوة كل شك قد يتسرب إلى المنهجية أو خطة الحركة وتصوراتها بالقول أن الحركة تسير في طريق الأنبياء وأن النجاح مرتبط عضويا بمدى الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، فمنهج الدعوة عندها ليس عملا اجتهاديا؛ وإنما هو جزء من الوحي، وهي الفكرة التي سيَّجها بعمق الشهيد سيد قطب وقطع بذلك كل محاولة للطعن في المنهجية العامة للحركة، فما بالك بمضمون الخطاب الذي يعبر عنه بمصطلحات متداخلة لإخفاء الشرعية المتجهة نحو “التقديس” مثل “الرسالة”، “الدعوة”، الشرع”، “الوحي”، “النص” وكلها مفردات تعطل الحس النقدي وتنمي الاستعداد للتقليد والتنفيذ.

فيتم بذلك غلق أبواب النقد للخطاب والمنهج والخطة وخطأ القيادة، ويقع اللجوء دوما إلى “الفرد”، و”المجتمع”، “الدولة”، و”القدر” لتفسير النكسات والمحن والأخطاء، وللهروب من مواجهاتها، ومواجهة النقد لها، وكمحاولة لتبريرها ولإعفاء النفس من تحمل المسئولية تجاهها.

الفرد: حيث يتسع الحديث في الحركة عن “التزامه” وانضباطه وقوة إيمانه أو ضعفه وأن الثلمة الحقيقية والرئيسة تكمن في حاله التعبدي، دون النظر إلى الجوانب الأخرى.

المجتمع: حيث تقع المبالغة في وصف انحرافاته، وتضخيم أخطائه وجهله بالدين وهيمنة القوى المعادية له، ومدى استسلامهم لهذه القوى ولخطاب الإعلام التحريضي المناوئ لمشروع الحركة.

الدولة: هذا الجهاز الذي قاسى منه الإسلاميون الأمرين لهذا يحملونه مسؤولية مركزية في تعطيل مشروعهم، إنه جهاز الأهواء والطابور الخامس لأعداء الإسلاميين العالميين ومن خلالها تتسرب وتنفذ مخططات القوى الدولية المعادية: الشيوعية والرأسمالية والصليبية اليهودية.

القدر: هذا المشذب الخطير الذي تعلق عليه مصائب خطيرة، فإذا حلت الكارثة يأتيك الجواب منهم: أنهم بذلوا جهدهم، ولكن إرادة الله كانت شيئا آخر، أما أنهم أخطؤوا فلا!

لقد صنعت هذه الأدبيات الإسلامية الحديثة من خلال ما يسمى بفقه الحركة عالما وهميا للعزاء يلخص في كلمة “المحنة”، فالله هو الذي قدر أن يُضطهَد الإسلاميون حتى يمنحهم ويجزيهم على قدر صبرهم كأن المحن خارج السنن ولا يحاسب عن صنعها ونتائجها في التصور الإسلامي!

وعزز ذلك تلك المنهجية الخاطئة القائمة على ضرورة صناعة “الأتباع” الذين يحسنون التقليد والتنفيذ الفوري والإيمان بأوامر القائد وحكمته “دون تعطيل ولا تأويل” وإضفاء التسامي على القائد وإيلائه مكانة خاصة وما يملكه من صلاحيات استثنائية ومنافية للعمل الجماعي ومفهوم الشورى الواسع.

وقد عبر أحد أصدقائي عن هذه الطريقة التربوية الخاطئة، بقوله “إن هذه الطريقة أنتجت لنا شبابًا بعقول عجائز، لم يعرفوا سوى ما قيل لهم ولم يعلموا سوى ما عُرض عليهم.

لم يتكلفوا جهدًا في التعلم والتفقه والاجتهاد، فشابوا قبل أوانهم وصاروا عيالًا على دعوة تفتقر لكفاءات فعلية تناطح خارج أسوار التنظيم”.

ومن أصر وتمسك بضرورة التغيير الجذري وضرورة النقد لآليات الحركة ومناهجها وخططها وقرارتها، يتم عزله وتوجه له الأسلحة الثقيلة: “التخاذل”، “الخروج على الجماعة”، “حب الدنيا والخوف على النفس”، “المتساقطون”، طبعا مع “كشف” بالأشعة الحمراء لسلوكه وارتباطاته ومصالحه إلى آخر تفاصيل حياته الشخصية قصد إعدامه وهو حي وقايةً للجسم من تسرب الخلايا المضادة.

فإن أنكرت تلك القيادات وجود أزمة فلا تستطيع أن تنكر أن هناك تعثرًا أو عدم تواز بين التضحيات والمكاسب!

ولا يدرك هؤلاء أن النقد الذاتي بالرغم من الاهتزاز الذي يحدثه وردود الأفعال التي تتبعه والنزعة الإقصائية التي تتعامل بها الحركة ضد من يوجه لها النقد إلا أنه يبقى الطريق الوحيد الشاق لتطوير الحركة وتصحيح مسارها بل أن النقد هو الذي يفتح المجال للحركة لتكتشف ما لديها من أفكار معطوبة ولتضع يدها على منهجياتها الخاطئة ولتعرف ما يمليه عليها عصرها من تكيف وتطوير ولندرك أين مواطن الخلل وأصل الأدواء لتتم المعالجة، وحتى لا تحرم الحركة من ميزة الإبداع والنقد الذاتي والحركة الذاتية، ولا يؤدي ذلك إلى خسارة الكثير من العناصر المبدعة والمفكرة والحركية.

وما أجمل قول مارتن لوثر كينج “لست فقط محاسبا على ما تقول، أنت محاسبٌ أيضا على ما لم تقل، حيث كان “لابد” لك أن تقول”.

إن عملية النقد من شأنها أن تغير وجه الحركة وتخلق من صلبها من يرث الرسالة وينقلها إلى فضاءات أوسع وتحالفات أصلب ومشاريع أعمق، وبذلك ينتقل مستقبل الحركة الإسلامية من البقاء السلبي وتمثل حالة رد الفعل، إلى البقاء الإيجابي الذي يتجسد في مدى قدرة الحركة الإسلامية على صنع مستقبلها وتنمية رصيدها المجتمعي والتغييري.
وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الحركة الاسلامية، رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، إعداد عبد الله النفيسي لمجموعة مفكرين".
في النقد الذاتي، ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، عمر عبيد حسنه.
ورقة "الحركة الاسلامية، مستقبلها رهين التغيرات الجذرية" صلاح الدين الجورشي.
كتاب الصحوة الاسلامية، صحوة من أجل الصحوة، عبد الكريم بكار
كتاب تكوين المفكر، فصل التفكير النقدي، عبد الكريم بكار.
Robert Greenleaf : Servant Leadership p.63
عرض التعليقات
تحميل المزيد