أول ما ينبغي الانتباه إليه عند استظهار الأسباب التي أفضت لخلق حالة من الرفض النفسي للأحكام الفقهية لدى العامة؛ هو دور الدراويش من الوّعاظ. أولئك الذين ظنوا بأنهم فقهاء لمجرد أنهم قد ثنوا الركب بالمساجد ذات يوم بحضرة العلماء، ثم ظن العامة بأنهم كذلك لأنهم عندما يتحدثون يبدو ظاهرًا عليهم أنهم يُجلّون ابن تيمية وابن عبد الوهاب!

إنّ ما يفعله هؤلاء الموهومون هو الأشد فتكًا بالدين، حين يقومون بشرح الحكم الفقهي دون النظر له باعتباره جزءًا ينتمي لكلٍّ متناغم، حين يعجزون عن رؤية الإسلام بوصفه عقيدة وفقهًا في آن واحد، حين يتغافلون عن حقيقة أن الإسلام يكمل بعضه البعض حتى يستقيم كجدار يحمي إيمان المسلم من ثقوب الشك ونخر التساؤلات.

إن مناقشتنا لمسألة «دروشة» الوعّاظ والفقهاء تنطلق من الحقيقة التي ما عاد بالإمكان تجاهلها؛ بأن هذا النوع من المجتهدين قد أضر بالإسلام أكثر مما أضرّ به الأعداء.

لا يمكننا إنكار حقيقة الصورة البشعة التي تشكلت بأيديهم عن الإسلام بوصفه دينًا قاسيًا جلفًا لا يليق سوى بالأعراب قساة القلوب أعداء الحياة، وهي بهذا التشكّل المزيف ستهدم حصن الإيمان بالله بأفئدة كثير من المسلمين. فبأي منطق سنأمل أن نكمل مسيرة الأنبياء ونبشّر به غير المسلمين كدين الحق الذي سيحميهم من الجحيم ويصل بهم إلى الجنة.

ورغم أن هذه الصورة الزائفة مغالطة كبرى يستطيع أي شخص أن ينقضها بمنتهى السهولة لو تدبّر بسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، لكننا سنرتكب خطأ آخر لا يقل فداحة عن خطأ الدراويش إن ظننا بأن العامة يعودون للكتاب والسنة للتأكد من أي معلومة أو رأي!

العامة كالأطفال، على من يريد توجيههم أن يدرك أهمية هذه الحقيقة عنهم. فالطفل لا يفكر بقراءة السعرات الحرارية، أو كمية المسرطنات في الأطعمة التي يرغب بها، والطفل كذلك قد يأكل على مضض ما ترغمه والدته على تناوله، لكنه سيلتهم كل ما تصل له يداه من الحلوى والسكاكر بعلم والدته أو خفية عنها.

لعل هذا ما فطنت له بعض الأمهات البارعات حين استخدموا فكرة الزينة بالأكل. وقد كان ذلك تطويعًا ذكيًا من الأمهات للميكافيلية، حين اعتبرن أن غاية الصحة للطفل قد تبررها وسيلة غير نبيلة، كاستخدام الحلوى لاستدراج الطفل لاستساغة التمر.

بذات الطريقة، طريقة الأمهات البارعات، على الوعّاظ أن يستدرجوا العامة لاستساغة الفائدة في الحكم الفقهي، خاصة إن كان الحكم ذاته يبدو مقنعًا للعقل، لكنه غير متناغم مع ما يعتنقه القلب من مشاعر تجاه الفكرة التي يتناولها الحكم.

الفقيه المفكر البارع يستطيع خلق التكامل بين العقل والقلب بعكس الواعظ الدرويش، الذي لا يفقه أساسًا لمفهوم التكامل، لذلك لا يصح مطلقًا أن يقدّم الواعظ نفسَه فقيهًا، لأنه لا يملك الأدوات التي تمكنه من شرح الحكمة بالحكم الفقهي.

وبشكل أكثر تفصيلًا وأكثر دقة؛ الواعظ الدرويش في واقع الأمر لا يمتلك الرؤية البانورامية لجدار العقيدة وحصن الإيمان، لذلك فهو يقطعه ويقسمه إلى أجزاء، يتعامل معه ككُتل فولاذية عموديًا، لكنها غير متصلة أفقيًا، فيتسبب ذلك بخلق الكثير من الفجوات بينها.

ومن تلك الفجوات في الامتداد الأفقي لذلك الجدار، يمد إبليس اللعين يده ليبذر الشكوك خلسة بقلوب العباد، لا يحتاج إبليس لأكثر من بذرة واحدة بإحدى الفجوات، وستتكفل تلك البذرة بالنمو الأفقي والعمودي حتى تطبق على الجدار وقلب صاحبه في آنٍ واحد.

لو أن الواعظ يدرك هذه الحقيقة، لما تقدّم للفتيا وشرح أحكام الفقه أحد دون أن يكون مؤمنًا بقدرته على صبّ الحديد والفولاذ بتلك الفجوات.

لو أن الفقهاء يدركون أهمية تفّهم سذاجة العامة لاستطاعوا أن يناوروا إبليس ببراعة. لعل أحدهم يتمكن  بمدد من الله تعالى أن يحبس إبليس خلف جدار من الفولاذ يرغمه أن يدور حول نفسه كالمخبول يبحث عن فجوة أغفلتها حكمة الفقه.

ولأن «لو» وحدها لا تكفي، ولأن التمني بضاعة المُقيّدين؛ فإنني أتمنى على الله أن يُلهم ذوي الأمر في بلاد المسلمين، بألّا يتصدر للفتيا والوعظ إلا من كان أهل له من الفقهاء المفكرين، وأن يُمنع فقهاء الحفظ والتسميع من الفتيا والوعظ.

أتمنى أن يخلّص الله الإسلام أحاديي الرؤية أنصاف المفكرين وفقهاء الحفظ، وأسأله تعالى أن يُلهِم المفكرين المخلصين ليتداركوا العامة من براثن الدراويش، ويتداركوا أنصاف الفقهاء من الوهم بالمعرفة التي أنتجت لنا هذه المعضلة الكبيرة مع فقهاء الدروشة، أولئك الأغبياء الذين لا يمكن غفران ما اقترفوه من إثم إلا على سبيل الرحمة، حين تحسن الظن بنواياهم فتعلم بأنهم ليسوا سوى دراويش يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدراويش
عرض التعليقات
تحميل المزيد