قبل أن تتهمني أني إخواني وعدو البلد وطابور خامس، وتخونني وتضرب برأيي عرض الحائط مرددًا بحرقة “ربنا يحفظك يا بلادي” (كأن أمثالي هم من يحاولون تعطيل البلد ويسعون لخرابها). قف للحظة وامنحني من وقتك خمس دقائق. عساني أنجح في لفت تفكيرك لجوانب لم تتسن لك الفرصة لتناولها في خضم التهليل العارم والنشوة “الوطنية”.

مثلي مثلك، أتمنى الخير لمصر، وودي ومناي أن تصير “قد الدنيا” وكل هذا الكلام الجميل. ولكني أرى أن احتياج أغلبيتنا الشديد للتفاؤل، وتعطشنا للإيمان باقتراب المستقبل الأفضل الذي طالما حلمنا به، قد تجعلنا نتغاضى عن أمور في غاية الأهمية. ننساها، أو نتناساها. نترك التفاؤل يغمي أعيننا، إثر إنهاك سنين ما بعد الثورة الأولى. أو تفوتنا أشياء جسيمة عن جهل وضيق أفق مشروعَين.

هكذا أقرأ المناخ الحالي الذي يحيط بالمؤتمر الاقتصادي المصري: احتفاء شغوف لا تحده شروط، مبايعة شاملة، قناعة مطلقة، يقين راسخ لا يحتمل نقاشًا. الكل يهلل ويفرح ويتباهى ويطمئن ويجاهر بوطنيته الصادقة، ويرضي غريزته التفاؤلية، ولا يتهاون في صب الاتهامات على من يجرؤ على أي اعتراض أو نقد، أو أقله يستخف بكلامه باستعلاء العليم ويدعوه لعدم إفساد فرحة المصريين.

أنا لا أريد إفساد فرحة المصريين، ولكن لا أريدهم أن يفرحوا قليلًا، ويعانون كثيرًا فيما بعد، عندما ينكشف المستور، عندما يظهر الحمل على بطن البلد. أود فقط أن أدعوك للتساؤل من خلال 14 سؤالًا، فكرت فيه أو دفعني آخرون مشكورون للتفكير فيه. ولكن أرجوك، قبل أن تنساق مع موجة الفخر والاعتزاز، أرجوك أن تسعى للإجابة على كل سؤال إجابة وافية. واجبنا كمواطنين ليس أن نظل قابعين لاقتناص أي فرصة للفرح في ظل الظروف المكئبة. واجبنا أن نظل متيقظين وننقد ونحاسب، حتى لا نجد أنفسنا بعد حين نبكي على اللبن المسكوب.

1. هل أخذت الوقت لتستعلم عما وراء الأرقام الضخمة والوعود والشعارات الرنانة؟ هل تتذكر المساعدات الضخمة، مليارات الدولارات، التي انهالت على مصر من دول الخليج بعد 3 يوليو 2013؟ هل تعرف أين ذهبت أو كيف تم دمجها في ميزانية الدولة أو فيما صرفت؟

 

هل تحقق وراء الأرقام التي تتناولها الصحافة لتعرف ما فحوى العقود ومدى جدية المشاريع؟
1. هل فكرت في المعنى الحقيقي “للدعم والمساعدات” المالية؟ هل فكرت أن الحقيقة أنها ودائع سيتوجب على مصر ردها، ومحض “وعود” باستثمارات وقروض؟

3. عندما تسمع عن اتفاقيات وقعت ـ كموضوع العاصمة الجديدة ـ هل تحاول أن تعرف إن كانت قد تمت دراسة جدوى للمشروع، أو ما هي شروط العقد أو مدى أحقية الشركة دونًا عن غيرها في تولي تنفيذ المشروع؟ هل يكفي أو يصح مجرد إرساء عقد بالأمر المباشر، كما حدث؟

4. طالما فتحت موضوع العاصمة الجديدة، هل فكرت في معنى كون الشركة (Capital City Partners) مجموعة مستثمرين أجانب؟ ألا يعني هذا أنهم سيسعون لتحقيق أعلى قدر ممكن من الأرباح؟ فقد لا تكون الوحدات السكنية في متناول يد المواطن العادي، وقد تكون مجرد مخرج آخر لأغنياء العاصمة الذين سئموا الزحام والتراب والفقراء، وقد لا تكون نوعية الوظائف الموفَّرة مناسبة لكفاءة القوى العاملة المصرية المتدنية (مع الأسف الشديد)، وقد ينتهي الأمر بألا يحظى العاطلون إلا بوظائف شديدة البساطة، ويستعان بالأجانب أو من هم أصلًا على مستوى عالٍ من الكفاءة لكي يشغروا تلك الوظائف، فلا يدخل جيوب المصريين سوى الملاليم بينما يستف المستثمرون قناطيرهم المقنطرة.

5. طالما فتحت موضوع القوى العاملة، هل تعتقد حقًا أن مصر، بنظامها التعليمي المتهالك، لديها البنية التحتية المهنية الملائمة لاستيعاب مثل هذه “الاستثمارات الضخمة” أو الاستفادة منها؟

6. وبمناسبة البنية التحتية، هل لدى مصر “البنية التحتية القانونية”، أو بالأحرى الأسس القانونية، اللازمة للاستفادة من مثل هذه الاستثمارات؟

قانون الاستثمار تغير بين ليلة وضحاها قبل المؤتمر، هل يوفر عدم الأمان هذا مناخًا مستقرًا يحفز المستثمرين على الاستثمار في المستقبل، بشكل ثابت ومستمر؟ هل يصح أن يكون هناك قانون استثمار موحد أصلًا، ألا يجدر أن تكون هناك شبكة من القوانين تتناول أنواع المشاريع المختلفة كلًّا على حدة؟

7. هل قرأت تعديلات قانون الاستثمار؟ هل تعرف أن نص أحد التعديلات كالتالي: “مع عدم الإخلال بالتصرفات التي تمت قبل تاريخ العمل بهذا القانون، يكون للشركات والمنشآت الحق في تملك الأراضي والعقارات اللازمة لمباشرة نشاطها أو التوسع أيًّا كانت جنسية الشركاء أو المساهمين أو محال إقامتهم أو نسب مشاركتهم أو مساهمتهم في رأس مالها، وذلك عدا الأراضي والعقارات الواقعة في المناطق التي تنظمها قوانين خاصة…”. هل فكرت أن ذلك يمكن أن يعني أن أي شركة عالمية، إن سمحت مواردها، يمكنها شراء ما بدا لها من أراضٍ لتتوسع، بلا حدود تقريبًا؟

8. في ظل المعطيات السابق ذكرها، ألن تمهد الاستثمارات الطريق للاحتكار وتوسع الفروق التي هي أصلًا شاسعة بين الطبقات؟ هل تعلم إن كانت هناك قوانين لحماية المستهلك، أو لحماية حقوق العامل، أو لحماية المنتجين المحليين الصغار الذين لن يقووا على مجابهة العمالقة، أو لردع الاحتكار، أو لحماية القطاع العام وتحديد مجال الخصخصة… إلخ؟

9. طالما فتحت موضوع الاستثمارات إجمالًا، هل فكرت أن الاستثمارات الأجنبية والمساعدات ليست لمجرد سواد عيون مصر (وإن كانت لسواد عيون مصر فالمصيبةُ أكبرُ، لأن هذا يعني تقييد سيادة مصر، وإجبارها على تبني سياسات قد لا تكون في مصلحتها أبدًا)، بل هي ببساطة محاولات من قبل شركات أجنبية لتملك أصول مصرية، وأن الشركات تهدف للربح قبل أي شيء ولا تهدف لإفادة الشعب المصري؟

10. هل فكرت في الفرق ما بين النمو والتنمية؟ قد تنشط الاستثمارات الأجنبية اقتصاد البلد، فيزداد العائد القومي ويحدث نمو اقتصادي، لكن لا تحدث تنمية، أي ألا يفيد هذا النمو العدالة الاجتماعية، ولا يحسن حال الطبقات الكادحة والمتوسطة، ولا يحسن قدرة البلد الإنتاجية، ولا يعلي كفاءة العاملين، إن لم تكن البلاد مستعدة لا قانونيًّا ولا مهنيًّا، ولا عندها بنية تحتية مناسبة من أي نوع.

ألا يجدر بنا الاستفادة من تجارب دول عالم ثالث أخرى لجأت إلى نموذج الاستثمار الأجنبي واقتصاد الشركات العملاقة، ونما عائدها ولكن لم يشعر مواطنوها بتحسن يذكر في مستوى معيشتهم؟ قد يسحق النمو الفقير منا ويملأ “كروش” المستثمرين وحيتان السوق.

هل فكرت في إمكانية حدوث ذلك؟ متوسط معدل نمو مصر الاقتصادي بين 2004 و2009، تحت حكم مبارك، كان 8%، وكان صندوق النقد الدولي راضيًا عنا، كذلك المؤسسات المالية الكبرى والولايات المتحدة. ماذا حدث؟ النمو على أسس غير صحية أدى إلى فساد مهول، وإلى انهيار العدالة الاجتماعية، ولم تقم الدولة بواجباتها من توفير المسكن والصحة والمأكل والتعليم، وزادت البطالة، فقامت ثورة يناير.

11. هل فكرت في أن الحكومة قد تكون، بمثل هذا المؤتمر، تسعى للتخلي عن مسؤولياتها وعن دورها في التنمية، أي تحسين التعليم والصحة والخدمات وما إلى ذلك، مسلمة أمرها للاستثمار الأجنبي الذي من المستحيل أن يجلب أي تنمية حقيقية طويلة الأمد؟

في المقابل، التمويل المحلي من قبل البنوك يدعم الاستثمار الوطني ويشجع المبادرات الاقتصادية من قبل الأشخاص والشركات، وقد يجلب تنمية، ولكن هل تعلم أن 10% فقط من المصريين لديهم حساب في البنك مما يجعل التمويل البنكي، الذي هو من أهم عجلات اقتصاد أي دولة، “في الضياع”؟ أليس توفير ودعم الخدمات البنكية أولى من ترجي المستثمر الأجنبي لتحقيق أرباحه عندنا؟

12. هل ستساعد الاستثمارات مصر في النهوض ببنيتها التحتية حقًا وتحسين قدراتها الإنتاجية، التي هي أهداف محورية بعيدة المدى، أم ستكون مشروعات تهدف لتحقيق الربح السهل المضمون للمستثمر الذي لا يأبه لا بك ولا بي؟

13. مع كل السالف ذكره، هل فكرت أنه لا يجب أن يشغلك هذا المؤتمر، بكل عيوبه المحتملة، عن قضايا أخرى مهمة أبدى النظام الحالي فشلًا ذريعًا فيها، كالحريات مثلًا، أو حقوق الإنسان؟ أم أن تلك مطالب هامشية “في ظل الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد”؟

14. مع كل نقاط الضعف المحتملة، هل فكرت أن الغرض من هذا المؤتمر قد يكون، قبل أي شيء، غرضًا سياسيًّا؟ وأن يكون الغرض هو صرف الأنظار عما فشل فيه النظام، وتجديد شرعية النظام من خلال “شو” إعلامي ضخم وأرقام قوية وعناوين براقة واعدة، بغض النظر عن مدى إمكانية أن تفيد هذه الاستثمارات المصريين، أو مدى عمق الدراسات المسبقة للمشاريع، أو كون هذه الاتفاقيات والوعود تتم في ظروف مناسبة مخططة بعناية أم لا؟

هذه بضعة أسئلة، وهنالك المزيد، قد نغفل عنها في زخم التطبيل والانتشاء الجماعي والاستسلام الحماسي للتفاؤل قصير النظر. أدعوكم وأدعو نفسي للتفكر فيها، وأنا منفتح على كل الإجابات (إن خلت من السب).

أكرر: أتمنى من كل قلبي أن يعود هذا المؤتمر على بلدي بالخير، ولكن لا يسعني إلا التخوف أمام حيثيات وأبعاد انعقاده. وإنه ليحزنني أن يقابل النقد الموضوعي بالاتهامات الجاهزة، وأن يحتاج المرء للدفاع عن حقه في النقد كأنه امتياز، أو رفاهية غير لائقة بالوضع الحالي الذي “لا يحتمل اختلاف الآراء وتشتت الصف”. اقبلوا النقد واسمعوه، وإن لم يعجبكم، انقدوه. فهكذا تتقدم الأمم، لا بالرأي الواحد المستبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد