الإنسان  -كل إنسان – تدور حوله التساؤلات والإجابات فمنهم من يحسن التساؤل، ومنهم من يحسن الإجابة، ومنهم من لا يحسن أيًا منهما، فكل إنسان له نصيب من السعادة والشقاوة، سواء قلت النسبة، أو زادت، فإنهما يوزعان بنسب متفاوتة، فمنهم من له نصيب عال من السعادة، وقليل من الشقاوة، ومنهم بخلاف ذلك، ولكن هل من بين الناس من لديه جانب السعادة بنسبة كبيرة والشقاوة أيضًا بنسبة كبيرة، أعني أنهما على نسب مستقلة، وليسا يكمل بعضهما البعض؟

أظن أن السعادة والشقاوة كخط مستقيم، ما زاد منهما، نقص عن الآخر، وأنهما كدائرة، متى زادت الزاوية نقصت الزاوية الأخرى، ولذلك يجتهد الإنسان – أي إنسان- أن يحصل على السعادة ويَحُسَّهَا، ويبتعد قدر الإمكان عن الشقاوة، منهم من يعرف طرق السعادة، ومنهم من جربها، وأحس بها فعلًا، لحظات أو دقائق أو أيامًا، أو أكثر، ومنهم من لا يعرف أين طرقها، ومنهم من يبحث مثلي ومثلك عنها؛ لكي يتوصل إليها.

منهم من يري السعادة في الدنيا دون الآخرة، ومنهم من يري السعادة في الآخرة دون الدنيا، ومنهم من يراها في الحياتين جميعًا، ومنهم من لا يراها في أي منهما، فأما الأول فمغتر، غرَّه طول الأمل، واعتقاده بطول الحياة على قصرها، وأما الثاني فهو جاهل مقصر بخيل تقصر به همته عن طلب حياة السعادة، والثالث فعالي الهمة واثق الخُطى نقي الحياة وممتلكًا لنواصيها، وأما الرابع فعيشه ضنك وحياته بائسة، فلا يستقيم له عيش، ولا تتفتح له أنوار السعادة؛ إذ هو أغلقها ومحاها من ذاكرته، فأنَّي له أن يجدها؟

فالأول أذا كانت السعادة في الدنيا، فقد كَسَبَهَا، أو يستطيع كَسْبَها، وخاسر للسعادة الأخروية؛ لأنه لا يؤمن بها، والثاني ناظر إلى الأمام، ولا يستطيع أن يرى ما تحت قدمه، وليس هذا مدحًا، ولكنه تغافُلٌ وتجَاهُل، فالذكي حقًا الناظر أمامه، وغير ناس لما تحت قدمه، فالقريب أكثر ثباتًا، وأقرب منزلًا،  وأيضًا إن لم تكن له سعادة في الآخرة، فقد خسر الاثنين جميعًا، فله الرحمة والشفقة، وأما الثالث فإنه بهمته وتفكيره قد يكسبهما جميعًا، ويأنس بها في حياته، وبعد موته، فإن هو لم يحصل عليها في الآخرة، فأضعف الأمور لم يفقدها في دنياه ، وأما الرابع فهو في جهله يسير، وفي صحراء لا يدري أين المسير، وعلي يأسه يعيش، فلا هو استفاد من الدنيا، ولا الآخرة، فهو يائس ضعيف لا شيء.

هذه هي جوانب الرؤية لدى الإنسان. فالإنسان الذكي هو من يملك الأمرين جميعًا، ويعتقدهما حقًا لا مرية فيهما، والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يحصل الإنسان على السعادة؟ أفي مال كثير؟ أو في زوجة؟ أو زوج جميل؟ أو في أولاد كثر؟ أو في نسب؟ وأصل عال؟ أو في صحة قوية؟ أو غيرها من الأسباب التي تختلف من شخص لآخر؟ كلُّ حسب ما يفتقده، يقول إن الفقد هو من أسباب سعادته، لو أنه ناله وامتلكه، وهذا من مبدأ أنَّ كل ممنوع مرغوب.

فاعتقادنا أن السعادة تَحْصُل  في سبب واحد ومن طريق واحد، أخطأنا وأسأنا استعمال العقل، وظلمنا هذه الكلمة، وهذه الروح والنسمة المريحة.

إذن اتفقنا أنه توجد أكثر من مصدر لتحقيق السعادة، فالعلم سعادة، والجهل شقاوة، وإن ظن بعض الناس بخلاف ذلك. الأخلاق الحميدة سعادة وأفعال السوء شقاوة، والصحة سعادة والمرض شقاوة. إلى آخره  من السعادات والشقاوات.

فننظر إلى العلوم على أنها من السعادة، وليست كل السعادة، فنقول: حب العلم سعادة، وكراهية العلم شقاوة؛ لأنه لا يأخد من نصيب سعادة العلم شيئًا، ومن العلوم الطب، فالأطباء سعداء، إذا أحبوا المهنة والعلم، ورأوا جوهر عملهم ومدى إسعاد الآخرين، فهي قد تأتي من جلبها الفرد لآخرين وقد تأتي بسببها، وعلماء الفلك سعداء، وعلماء الفيزياء، والكيمياء، والأدباء، والشعراء، وأهل اللغة سعداء، ولهم أسباب في ذلك، منها تذوقهم لعلومهم، وفرحتهم بها، وغيرها من العلوم الكثير.

إذن نتوصل إلى أن العالِم القارئ المُحِب لما يقرأ، ويبتكر فيه، ويعمل، فهم سعداء. إلى هذه النقطة توسعت مفاهيم السعادة، فكم من سعادات لا يستطيع الإنسان حصرها؛ فهي كالنجوم، على مسافات قياسها ونسبتها،  وهي كالحصى في عددها، وكالبحار والسماء على نقائهما وجمالهما!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد