أدركت منذ الطفولة أن الكوميديا فن خطير، وأن خفة الدم عملة نادرة وموهبة خاصة يضعها الله في الإنسان، مثلها مثل اللباقة، ورهافة الحس، والقدرة على لوي اللسان، أو المشي على الحِبال، ليست مشاعًا.

في الليل قبل النوم، بغرفة الجلوس اعتدنا بصفتنا أسرة مصرية حقيقية أن نتناول العشاء معًا أمام التلفاز، كانت ضحكات أبي وأمي وإخوتي تجلجل وتدوي بعفوية، من القلب، لإيفيهات وحركات الجسد البائسة، لذلك الفنان الذي استطاع ببلاهة شديدة، واقتناع محيِّر، أن يؤدي دور البطل ووالدَ البطل والبطلة! من أقنعه بأن ما يقدمه مضحك؟ لو كانت هناك جائزة «نوبل» في السخافة لنالَها ذلك الفنان بلا شك، أو لعله كان لينال «إيغ نوبل» في الكوميديا. ولنالها السيناريست والمخرِج، وكل مَن شارك في هذه الجريمة.

على ما يقدم في التلفاز لم أضحك إلا نادرًا، والغريب أن ما يضحكني لم يضحك أحدًا من أهلي أو أصدقائي، فمثلًا قال لي صديق في مرة أن «شارلي شابلن» سخيف، يتحرك كأنه بـ«زمبلك» وشاربه غريب، كان هذا كافيًا لأتجنب الحديث معه من جديد عن الكوميديا. ثم عرفت بين أهلي وأصدقائي فيما بعد بالبلادة والكآبة. موضوع الكوميديا يشغلني بشدة، تلك العملية العقلية التي ينتج عنها قول أو فعل مضحك، وكيف ينتقل ذلك إلى شخص آخر لكي يستوعبَه في أجزاء من الثانية فيضحك بدوره، عملية معقَدة، عملية مهمة والله قد أضعنا سرها المقدس وحلاوتها العبقرية.

رحت طوال حياتي أفند المضحِكات من الأمور، وأحلل النكات التي أسمعها؛ لكي أصل إلى سر إضحاكها الآخرين، وبنسبة لا تقل عن 90% كان السبب في ضحك الآخرين هو السخرية، لا ذكاء القول أو الفعل. لم أستسغ السخرية قط، لم أرها جادة بما يكفي لتتخطى حاجز «السخرية» اسمًا ومضمونًا، اللهم إلا في بعض الحالات النادرة التي كان الساخر فيها عبقريًّا بما يكفي ليضرب على ذلك الوتر الحساس ببراعة دون أن يصيبني في الصمم.

حالات نادرة وأكررها، ندرتها تؤكد لي أننا لم نعط الجدية حقَها في إيصال الأفكار، أو لعلنا حين مللنا الواقع صنعنا واقعًا أقبح، استعضنا عن الجدية بالهزل والهبل، كل هذا تحت مسمى السخرية، وهي تحت مسمى الكوميديا بدورها.

غصنا في صناعة التسلية والكلام الرخيص السريع، الإيفيهات المعلَبة، يكفيك زيارة بعض محطات التلفاز في وقت الفراغ، لتجد حفنة من السخريات الساذجة المعلَبة، قوالب تتحرك أمامك على شاشة التلفاز، نكات ميتة لا تحتاج إلى تحليل، أو هضم، أو حد أدنى من الذكاء، نكات أغلبها عن الجنس، أو مرة واحد صعيدي، أو مرة الرئيس حب يعمل مسابقة جاب واحد صعيدي برضه، هاهاها.

ألم يعف الزمن على هذه الأشياء؟

نحن، بسم الله ما شاء الله، نعمل على قدم وساق نحو إعادة الموروث الجاهلي مرة أخرى، حملة إعادة السخرية الحجرية القديمة، حين كان الرجل يسخر من الدورة الشهرية للمرأة، وكانت المرأة تسخر من ولع الرجال بالطعام، وكان الطويل يسخر من القصير، والغني يسخر من الفقير… إلخ.

دعك من رأيي الشخصي في الممثِل فلان أو ترتان من الساخرين؛ لأنه رأي سلبي، أو في الكوميديا حتى، لأن لكل شيء مريدين ومعارضين، وأنا قد صنفت طوال حياتي، لسبب أجهله، من المعارضين، وفي عصرنا أصبح مريدو السخرية والمواد السهلة السريعة أكثرَ من حبات الرمل.

لكن، ماذا عن اختيار «المسخور به»؟ فلو كانت السخرية حقًا «للجميع» فهل هي حق «من الجميع»؟

هنا مربط الفرس، والسؤال أيضًا، هل تكون السخرية مضحِكة لأنها محبوكة على من نسخر منهم، بغض النظر عن شخصهم؟ أم لأن من نسخر منهم يستحقون حبكَ سخريتنا عليهم، بل يجبروننا على ذلك؟

ما المعايير التي على أساسِها يمكنني السخرية من شخص ما أو فكرة ما؟

على سبيل المثال في كل يوم نرى أحدَ الملحدين يأتي بمقطع فيديو لشيخ غريب، لا أصلَ له ولا فصل، يبيح الزنا أو الربا أو القتل، ويختلق الأحاديث ويلوي عنقَ الآيات، ثم نرى ذلك الملحدَ العبقري يلقي في حجورِنا سؤالَه الهازئ بنبرة متشفية، أهذا هو الإسلام أيها المسلمون؟

وأتساءل فعلًا أهذا هو الإسلام؟ هل ينتمي ذلك الشيخ فعلًا إلى طائفة المسلمين؟ ناهيك عن بلوغ مرتبة التحريم والتحليل التي لم تكن ولن تكون في يدِ أحد؟ هل قرأت ملحدي العزيز كتابًا واحدًا عن الإسلام لتقتنع أن هذا الشيخ يمثل الإسلام؟

أو أنك ترى على شاشة التلفاز برنامج المقالب السخيف الذي يعرض في رمضان سنويًّا، يأتي مقدم البرنامج بأحد المشاهير، وبعد دقائق يضعه في ورطة ما؛ فيسب ذلك النجم ويلعن ويلقي بالبذاءات، فنرى الناس يتساءلون في عجب ساخرين:

أهذه هي أخلاق نجوم التلفاز؟ وأتساءل فعلًا، ما أخلاق نجومِ التلفاز أصلًا؟ ما المعايير والحدود لكي نعرف من خرقها، وكيف خرقها، ولماذا خرقها؟ أهذه هي السخرية؟ أن تتصيد الجهلة والمجانين والمخابيل وأن تسخر منهم مرتاح البال؟

في زمننا تحولت السخرية إلى نوع من أنواع السادية، اسخر من الضعيف، من العاجز، من المسكين، ممن لا يستطيع أن يتحدثَ الإنجليزية بطلاقة، ممن لا يملك الإنترنت السريع، ممن تخونه التعبيرات، اسخر من الكبير لأنه جاهل، وسيخسر هو منكَ لأنك مستهتر، والسؤال هنا:

ما الانتصارات التي حققتها السخرية على كل المستويات؟

نرى أبناء العاصمة يسخرون من أبناء القرى، وأبناء القرى يسخرون من أبناء العاصمة، «يا اللي بلادك كذا»، «يا اللي حصل فيك كذا!»

هل نحن حقًا بحاجة إلى هذا النوع من العبط؟

لماذا لا نسخِّر جهودَنا للسخرية من الحكام الخونة، ومن نواب مجلس الشعب، ومن موظفي الحكومة المرتشين، ومن تجار المخدرات، ومن بائعي الفِراخ النافقة، ومن مروجي الإعلانات التي لا فائدة منها؟ لماذا لا نسخر منهم حد تداول النكات عنهم، والسعي خلف تفاصيل حيواتهم، وفضحهم في كل مكان؟ لماذا لا نفضح الجاهل الذي يدعي العلم، لا الجاهل معلوم الجهل؟ لماذا لا نسخر من القوي الذي لا فائدة من قوته، لا الضعيف الذي لا قوة له؟

وقد يتساءل بعض الناس، ما فائدة الكلام يا بني والقدس يضيع، والبنزين أسعاره تزداد، والمدرجات تخلو من المشجعين، و…؟

فائدة السخرية من هؤلاء المعاتيه فوائد، أولها أن السخرية للأسف أمر دارج للغاية في حياتِنا اليومية، بل وصل الأمر إلى أن أصبحت حياة البعض تتمحور حول السخرية، مَن من الناس يهتم الآن لأمر القدس بجدية؟ مَن يتابع أخبار ثقب الأوزون أو انقراض الأنواع النادرة؟ مَن منا يعرف مستجدات سوق الأسلحة وتداول المخدرات ومعدلات حالات الاكتئاب؟

لكن شعبًا بأكمله يريد أن يعرف مَن هو ضيف الحلقة القادمة، ومن سيشرب المقلب، ومن سيتلعثم حين ينطق الكلمة، وهل ستبكي تلك الفتاة الرقيقة المدلعة المسهوكة حين تعرف أننا كنا نمزح معها؟

ثم أن الأمر قد تجاوز منذ زمن السخرية البسيطة إلى السخرية اللاذعة، ومن السخرية اللاذعة إلى السخرية الساذجة وقلة الأدب، وكنا لنرضى بعصر الليمون على أنفسِنا لو ظلت السخرية في نطاق الأمور الحياتية البسيطة، فما بالك بالسخرية تجتاح كل شيء حتى يسخر الناس من العقائد، والشعائر، والعلماء، والفلاسفة والأدباء؟

فليكن الأبله في الفيلم أو المسلسل شيخًا، أو قسًا، يتكلم بالآيات كالمحموم، قال الله، قال الرسول، قال اليسوع، حديثه كله عن الفردوس، والغفران، والنار، هل هذا يمثل كل شيوخ وقساوسة العالم؟ هل هذه هي الصورة التي نحب فعلًا أن نعرضَها للناس لرجل الدين؟

فلتكن الشخصية المعقدة في القصة شخصية الكاتب أو الشاعر، فليشرب أكواب القهوة «عمال على بطال» وليمت بحصوة في الكلى إثر القهوة، فليتأمل طوال الليل في نباتات الزينة وليكتب قصائد حزينة، ثم فليحرق الأوراق، وليبك، لا بد أن يكون هناك بكاء، هل هذه هي الصورة التي نحب فعلًا أن نعرضَها للناس عن الكتاب والأدباء؟

فلتكن شخصية العالم مجنونة، دعه يفجر المعامل، ويلقي بالمواد الكيميائية في كل مكان، وليعلق بندولًا في سيارته بدلًا من فواحة العطور، وليرتد نظارة ضخمة تخفي ملامحَه، وليتحدث بعصبية وسرعة شديدة.

أف! قوالب، قوالب. هل هذه هي الصورة الحقيقة عن الأمور؟

الحقيقة المؤلمة هنا أن السخرية وصناعة التسلية ينفق عليه في العالم مئات أضعاف ما ينفَق على جيش إسرائيل الذي سرق القدس، ينفق كل هذا ثم نتساءل كيف زادت الأسعار؟ حاضر، معلش، حتى لو كنا ضحايا فساد حكم ولو كنا نشاهد التلفاز واليوتيوب، ونرتاد المسارح كالمنومين كالمغتصبين، ألا يكفي أن نعرف أنها عملية سرقة كبرى، وضحك على الناس وأننا، للأسف، بشكل كبير، متورطون فيها، بل أحد أكبر أسبابِها، ونتائجها؟

ببساطة الدائرة مغلقة، أنت تشجع أحدهم على صفعك على مؤخرة قفاك، وأن يبيع لك دواء لصفعات مؤخرة القفا.

هل نحن ضحية حينئذ أم جناة؟

للأمر جذور، ولا يمكن البت فيه بتلك السهولة، لكن ببساطة، يمكنك أن تمتنع عن هذه المهازل، وأن توعي الآخرين. هذا والله كاف، يكفيك أن تخبر الآخر أننا ببساطة لن نكون ضحايا بعد الآن.

هل نسينا يا بشر أننا نحن الجمهور؟ أننا مَن يطالب بالمحتوى الراقي، ويغضب إذا عومل كالبهيمة؟ هل نسينا أننا كنا في الماضي حين نستسخف المغني أو المونولوجست نظل نقذفه بالبيض والطماطم حتى يختبئ خلف الستار «قفاه يقمر عيشًا»؟

آه، أخشى أن تكون معاملة البهائم قد أصبحت ما يليق بنا. نسيت وسط الكلام أن أخبرَكم أنني أستثني سخرية القدر من حديثي، أستثنيها لأنها أكثر المضحكات في ذلك العالم البائس بالنسبة لي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد