«اللي ماله إِمْ حاله بغِّم» نزيف القلبِ خطّها قبل أن ينبتَ الوجع على شفتيه، ضاعتْ حروفه وبقيَ متيّمًا في حُبها، كلما طرقَ الحنين قلبهُ أذعن ليُتمه واستكان لنيرانه، لا حضن يدفن رأسهُ به فيهنأ، ولا أمن يأوي إليه فيسكن الصخبُ في صدره، إنها أيامٌ منزوعة من بركة النظراتِ والدعوات، إنها الآه يتجرعُ علقمها عمرًا طويلًا، ويركله الوجع، فينادي في الصدى، ويُجيبه الدمع بنحيبٍ أكثر.

إليها، للتي تأوهتْ شهورًا كي يُبصر فلذة كبدها الحياة، للتي طابَ لها الألم حين اشتدّ لهيبه، لتكحّل بك عينيها، وتنهل من رائحتك حد الارتواء، إنك وليدُ لحظات سقتك أمك فيها الحياة، لمن تقاسمت أيامها معك مرضًا وحزنًا وسعادة، لمن انتظرتْ أول خطوةٍ تخطوها إليها، لمن عدّت الساعات كيْ تكبر، وسابقت الأيام كي تراك عظيمًا، لمن ضحّت بصحتها لأجل سلامتِك.

للزهرةِ التي تقبعُ في كل روحٍ خرجتْ من رحمها، لمن تنشّق نسيمَ قُربها وهمساتها فاهتُدِيتْ له الطريق ذُلُلَا، لدعائِها الذي أصابنا سهمه فشُفِينا، ولقُبلةٍ داهمتْ جِباهنا على حين غرّة، فأشرقت أرواحنا وتفتّحت أقدرانا، ثمّ سِرْنا بهالة الحب والبِّر نمضي للحياة.

للتي طرب يومها حين نجاحك، وكذلك زفافك، خبأت دموعها في صدرها، ورسمتْ ابتسامةً تبعثُ ليومك الرضا، للتِّي عضّت على قلبها وآثرت الصمت حينما استقرّت روحك بعيدًا عنها، لمن عانَتْ انتزاع روحك من روحها، وهي تطبطب عليك تدعو الله ألاّ تضلّ ولا تشقى ولا تحزن أبدًا.

لتلك التي فقدتْ رفيقًا يساندُ أيامها، فبقيتْ أبًا وأمًا لأطفالها، آثرتْ تربيتهم على صباها، واستظلت بمعية الله تغرس فيهم حَسنًا، تشدُ من عضدهم، تكبر معهم وتبعث فيهم ألاّ فقد يعيق الإنسان عن الاستمرار بل يُحفزّ النفس على التحدي والإصرار، كلُّ شقَّ طريقه، وهي إلى جوارهم يشتعل رأسها شيبًا، تشيخ أيامها وما فتئت ترتجي الله أن يكلأهم بالحفظ من بعدها.

لمنْ ابيضتْ عيناها على وداع فتاها، فاستودعته مرارًا، ليقذفه القدر ويغرّبه الوطن جسدًا، ينبشُ كل صباحٍ عما احتفظ به دماغه من عمرٍ سُقيَ به تحتَ ظِل جناحها، وكلُ لقمةٍ سرت في فمه، وكل قبضةٍ حانيةٍ على كفّه، وكل تنبيهٍ يومي لأن يهتمّ بنفسه، ومن كل سؤالٍ ملحٍ عن صحته وسقمه، عن كل مرة ربتت فيها على كتفه، لتزيل عنه يأسه، فيعيد تصفيف أوراقه من جديد.

للغائبِ الذي يُقاتل آلام شوقه إليها كي يعيش، للذي ينتصر عليه الخذلان في كل محاولةٍ ويذوب قلبه من كمد، للذي يئنِ مرضًا فلا تمتد إليه يدُ ملكته تداويه، يسقط في وحلِ الضعف والحرمان، فيأتي صوتها يخترق الزمان «أنْ كُن بخيرٍ يا حبيبي».

لمن اختبره الله في طريق الحياة الوعرة، لمن فقد تلك الزمردة من عالمه، للذي أصابه مرض العشق غير الموجود، لمن حفرت دموعه طريقًا في وجهه، لمن تتلألأ عيناه ويهيج قلبه كُلما ذُكِرت في حضرته، للذي يحتضنُ ضريحها الآن، يبكيها مرارةً، للذي يتمنى أن لو يعيدها الله للحظة من الزمان، ليقبّل روحها صبح مساء، يلتصق بها، يعانقها، ويقول لها «أحبُّك أمي».

لحبيبتي

للتِي أزهرتُ على يديها وأنبتَتْ فيّ برعم الجمال فأصبح ربيعًا، للتي أغدقتْ عليّ عشقها وطيبتها ومبسم ثغرها، للتي اقتبسْتُ صورتها، فأمتلئُ سعادةً حين يُعزى شبهي إليها.

أتعلمين يا عُمري أنني حينما أنجبتُ طفلتي لم أكن أرغب إلا برؤيتك، بتقبيلك، بالغوص في أحضانك، ألَّا أبتعد عن عينيك مطلقًا، لا أدري لماذا شعرتُ أنّي المولودة! أيقظتني كل طلقة غفلتُ بها عن عنائك معي، سهرك، ألمك، دموعك، وشعرتُ أن لو خلقني الله من جديد، لكنتُ أكثر برًا وحبًا وطاعة.

أتذكّرُ كم أهدرتِ ساعات راحتك وهدوء نفسك، كي تتحملي شغبنا ومشاكساتنا، نداءاتنا المتكررة، طلباتنا التي لا تنتهي، عنادنا، رغباتنا، وكمْ كنتِ تُحيطيننا جميعًا باحتوائك، تعلميننا أن نُحّب الخير أكثر، أن نشعر بغيرنا، وتقولين «أنتم ضيوفٌ عندي، وعليّ أن أحسنَ إليكم حتى آخر لحظة في عمري».

عبثًا أيتها الجميلة نحاول أن نلملم حروفًا نبني بها قصيدًا يليقُ بك، كيفَ لنا أن نصفِ الجمال، أوقنُ أننا نسيء إليه أكثر كلما حاولنا وصفَه، وكذاكَ أنتِ، فقط أنا أحاول أن أتنفسَ رضاك، أن أمحو بكل حرفٍ أُفٍّ قد زفرتُ بها في نفسي لحظة ضيق، أود أن أطهّر نفسي أمامك، وأكفِّر عن مواقفي التي نسيتُها قبل التي يسعفني تذكّرها، أن أطلق سراح الحبّ وأسابق الزمان، أن أصنع جزءًا مما صنعتِه لي، علّني أغفر أيامي التي لم أحمد الله فيها عليكِ، وأبقى أردد اسمك والقلب يهتف دائمًا «أمي… فلتغفري لي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد